بحث

الخميس، 28 مايو 2020

العنف الاجتماعي وكبش الضحية: مدخل لقراءة أعمال روني جيرار René Girard

العنف الاجتماعي وكبش الضحية

مدخل لقراءة أعمال روني جيرار

محمد الدهان*


يعد روني جيرار René Girard  من الباحثين الذين ساهموا بشكل أساسي في صياغة نظرية أنثروبولوجية  حول موضوع العنف الاجتماعي، وميكانيزمات التفريغ الضرورية للحيلولة دون تعميمه على كل الأفراد مما يهدد المجموعة ككل في استقرارها واستمراريتها. ولفهم هذا الموضوع قام “روني جيرار” ببناء نظرية المحاكاة التملكية  التي يعتبرها بمثابة حجر الزاوية لفهم الصراع الاجتماعي وما يترتب عنه من عنف، والوسائل التي تلجأ إليها المجتمعات البشرية لدرء المخاطر التي تهددها.

    “روني جيرار” باحث فرنسي وقد جاء إلى الأنثروبولوجيا عن طريق الأدب المقارن والتاريخ. وقد قضى جل حياته الجامعية بالولايات المتحدة حيث درس بجامعة Jhons Hopkins  في Baltimore. في سنة 1961 عرض لأول مرة مفهوم “رغبة المحاكاة” Désir mimétique في كتابه المعنون “الكذب الرومانسي والحقيقة الروائية”. هذا المفهوم سيحتل الصدارة في أعماله  اللاحقة  التي ستأخذ منحى أنثروبولوجيا واضحا مثل كتاب “العنف والمقدس” أو “أشياء خفية منذ بداية الدنيا” ومؤلف “كبش الضحية”. ولتقريب القارئ من هذه النظرية سأقوم بعرض وجيز لأهم المفاهيم التي تتشكل منها أطروحة “روني جيرار”.

المحاكاة التملكية

    من خلال دراسته للنصوص الأدبية الكبرى (شكسبير، دوستويفسكي،مارسيل بروست) تبين ل”روني جيرار” أن الرغبة هي المحرك الأساسي للعلاقات الإنسانية وأن هذه الرغبة  من نوع خاص لأنها تحتاج لعنصر ثالث للتعبير عن نفسها. إنني أرغب في ما يرغب فيه شخص  آخر أعتبره نموذجا أقتدي به في اختياري. هذا النموذج ينعته “روني جيرار” بالوسيط médiateur  بين الذات وموضوع الرغبة. إن الرغبة تتم دائما في إطار مثلث:إنني أرغب في هذا اللباس لأن فلانا من معارفي أثق في ذوقه…  ،وأرغب في تلك المرأة لأنها تثير إعجاب الآخرين…هذا الوسيط يمكن أن يكون خارجيا، بعيدا كل البعد عن الشخص الراغب (شخصيات فنية أو رياضية…) نقلد سلوكها في اختياراتنا، أو داخلية حين يتعلق الأمر بأفراد تربطنا بهم علاقات مباشرة في العمل أو السكن أو في العلاقات الأسرية. في هذه الحالة يتحول الوسيط إلى منافس وأحيانا إلى عدو كلما ارتفعت قيمة الموضوع المتنازع عليه.

   إن التقليد والمحاكاة خاصية بشرية وهي أصل التعلم بكل أشكاله كما عبر أرسطو عن ذلك. إننا نتعلم بالمحاكاة، نتدرب على النطق بأصوات معينة ونحن أطفال، نتعلم كتابة الحروف من خلال ما نراه فوق الصبورة، نتدرب على حركات معينة في الرياضة والرقص…لكن المحاكاة سرعان ما تأخذ أشكالا عنيفة ولا سيما حين يتعلق الأمر بتحقيق رغباتنا، لأن الوسيط يتحول إلى منافس وخصوصا حين تتوخى الرغبة تملك موضوعها وهو ما ينعته “روني جيرار” بالرغبة التملكية mimésis d’appropriation.  من جانب آخر تتميز الرغبة التملكية بانتشارها السريع مثل عدوى وخصوصا حين يكون موضوعها نفيسا ونادرا وضروريا. حينئذ تتحول هذه الرغبة التملكية إلى مصدر عنف يمكن إذا تعمم أن يهدد المجموعة في حياتها. ذلك ما أطلق عليه “روني جيرار” عبارة “أزمة المحاكاة”.

أزمة المحاكاة: حين تأخذ المنافسة شكلا جماعيا (الكل ضد الكل) لتملك ما هو ثمين ونادر تبدو الفتنة كخطر حقيقي يهدد حياة المجموعة. إن العنف مثل الرغبة، يخضع لمنطق التكرار والانتشار (العنف يولد العنف) كما هو الحال عند بعض التجمعات القبلية التي تمارس الانتقام (السن بالسن والدم بالدم) انطلاقا من مفهوم الشرف والفدية. وقد بينت الدراسات الأنثروبولوجية  في هذه الحالة بالضبط كيف يتم توظيف المقدس لوقف إراقة الدماء. ومن خلال دراسته للنصوص التي تتأسس عليها الديانات السماوية،وبعض الأساطير المشتركة بين الشعوب توصل “روني جيرار” إلى خلاصة مفادها أن هناك ميكانيزم ثقافي كوني تستعمله كل المجموعات البشرية للحد من العنف الذي يهدد وجودها: البحث عن كبش الفداء bouc émissaire.

كبش الضحية                    

إن الرغبة التملكية تخلق الأحقاد بين المتنافسين لدرجة نسيانهم للموضوع المتنازع عليه. وحين تصل الأزمة ذروتها يصبح الإدراك الجماعي متذبذبا وقابلا لأي إيحاء يوهمه بأصل الأزمة والسبب في حدوثها. وإذا تعلق الأمر بشخص بعينه ستتنفس المجموعة الصعداء لأنها تحول العنف من وجهته الخطيرة (الكل ضد الكل) إلى (الكل ضد الواحد). ذلك ما ينعته “روني جيرار” بآلية التضحية”  mécanisme victimaire أو ما يسميه أيضا le lynchage fondateur. حين يصل العنف ذروته تختار المجموعة فردا داخل المجموعة أو خارجها لتحميله مسؤولية الأزمة وتركيز الحقد عليه باعتبار أنه المسؤول عما تعيشه المجموعة من كوارث وأحقاد. وبالقضاء عليه أو انصرافه تتنفس المجموعة الصعداء ويعود الوئام ولو لفترة.

   لكن سرعان ما يتجدد العنف الجماعي، بسبب النزعة الطبيعية عند الإنسان نحو التملك وظهور الرغبات المتعارضة. ولتفادي تكرار ما حدث تلجأ المجموعة إلى البحث عن حل خيالي لأزمة حقيقية. ذلك هو دور الطقوس المسماة بطقوس التضحية. إن طقوس التضحية على شكل ذبيحة هي وسيلة لتفريغ العنف الكامن عند كل مجموعة بشرية من خلال توجيهه نحو ضحية حيوانية تتقاسم بعض الصفات مع البشر مثل المنفعة والبراءة.إن فرضية التعويض تدعمها المعطيات الميدانية ودراسة النصوص القديمة والكتب السماوية والأساطير المؤسسة كما بين ذلك “روني جيرار” في مؤلفه “العنف والمقدس”.

 *محمد الدهان من أبرز السوسيولوجيين المغاربة، توفي سنة 2013، وقد كان قيد حياته  أستاذا في جامعة محمد الخامس، حيث كان يدرس سوسيولوجيا الإعلام والانثروبولوجيا،  كما كان إلى جانب ذلك ناقدا سينمائيا

 

المصدر: مدونة الأستاذ الدهان

https://dahanarabland.wordpress.com/2011/10/

 


الأربعاء، 27 مايو 2020

السلفية والتحديث وثقافة التقليد : إضاءات مغاربية

السلفية والتحديث وثقافة التقليد : إضاءات مغاربية

احميدة النيفر*

 

في كتاب "ذكريات وشهادات ووجوه" للأستاذ الدكتور عبد الهادي بوطالب[1]، نقرأ عن الحركة السلفية في تونس ما يلي: "يمكن تأريخ بدء التنظيم السلفي في تونس بالزيارة التي قام بها محمد عبده إلى تونس في صيف سنة 1903[2]، موفدا من أستاذه جمال الدين الأفغاني، ربما لمحاولة تأسيس فرع للـ"عروة الوثقى". وساعدت هذه الزيارة على الأقل على التعريف بفلسفة الحركة السلفية المصرية، وعلى ربط حلقات الاتصال بين تونس ومقر السلفية في القاهرة".

ما يعنينا في هذه الشهادة، هو متابعتها لحركة الأفكار والمؤسسات في تونس الحديثة، وتوقفها عند موقع مفصلي في الحراك الثقافي - الفكري الحديث بالبلاد التونسية، ذلك الموقع الذي كثيرا ما يقع الإعراض بالقصد غالبا. يمكن أن ندرك أهمية هذه الوقفة حين نواصل مع الدكتور أبو طالب، وهو يعلق على أهمية زيارة محمد عبده لتونس، منبها إلى أمرين في ذلك المفصل التاريخي:

-إثارة زيارة عبده "جدلا لم ينقطع بين علماء الزيتونة المحافظين في أغلبيتهم، وبين طلبتها المتطلعين إلى الإصلاح والتجديد".

-تميز سلفية تونس، في ذلك الطور، عن التنظير السلفي في أقطار أخرى "بالتركيز على الإصلاحات السياسية"، مما أتاح المجال لظهور نخب وطنية شابة تتجاوز الفكر المحافظ.

ندرك من الأمر الأول، أن الخط السلفي الإصلاحي الوافد في صياغته المصرية الحديثة مطلعَ القرن العشرين، استطاع أن يحدث أثرا بيّــنا في النخب المتعلمة الزيتونية والمدرسية على السواء، بينما لم تتمكن الموجة السلفية النجدية السابقة، والتي ظهرت من قبل بحوالي قرن من أن تَـفلَّ من عضد النخب العلمية المحافظة.

دلالة الأمر الثاني، تؤكد أن الحضور السلفي الحديث في تونس اكتسى صبغة إجرائية، بعيدة عن المماحكات النظرية العقدية. ذات الظاهرة تبرز في الأقطار المغاربية الأخرى، حيث تمثل النفاذ السلفي في كل قطر، متفاعلا مع المقتضيات المحلية السياسية الاجتماعية أكثر من أي اعتبار آخر.

مؤدى ذلك في خصوص السياق القطري التونسي، أن تحوّلا مهمّا حصل في الفترة التي فصلت بين المد السلفي الأول الذي ظهر في مطلع القرن الثامن عشر، والوافد من منطقة نجد، وبين موجته الثانية التي عرفها العالم العربي في صياغة أحدث، قام عليها رجال السلفية الإصلاحية في مصر والشام[3]. لقد قاومت النخب التونسية بشدة السلفية في الطور الأوّل، على اعتبار أنها " ضلالة وهابية"، لكونها كانت حاملة لخطاب عقائدي مفرغ من أية أبعاد واقعية، بينما كانت الاستجابة مغايرة بعد ذلك نتيجة تحولات محلية مجتمعية من جهة، ولأنها اعتمدت خطابا له أفق فكري واجتماعي.

عند التوقف على هذا الملمح الأول من الموقع المفصلي، تبرز عدة مستويات لفهم الظاهرة السلفية الحديثة ذاتها. ما يتبيّن في جانب الخصوصية السلفية، أن الموجة السلفية الأولى كانت تعمل - ككل التوجهات السلفية - على إحياء الضمير الديني بمقاومة الانحرافات العقدية والشعائرية والسلوكية التي كانت ترى فيها تهديدا لجوهر الإسلام، وإضعافا لروحه، وهدرا لطاقات الأمة. غير أن هذه الرؤية كانت منطلقة من الذات الثقافية لإصلاح نفسها بنفسها، بما يجعلها مختلفة في ذلك مع الموجة السلفية التاليةالتي تميّزت في محاربتها للتقليد بالإقرار بأهمية التفاعل مع أوروبا، في مستوى القيم والمفاهيم، وضرورة استساغة الأفكار العصرية، والاستفادة من المنجزات الحضارية، قصد الوصول إلى نديّة يمكن بها مواجهة السياسات الغربية المعادية للمسلمين.[4]

من هنا، يتبيّن أنه كانت للسلفية الحديثة في المجال العربي دلالتان: هي من جهة تيار عقائدي، ينطلق من إعادة تقييم وتنشيط ماضي السلف، للإجابة من جهة ثانية على حاجيات وطموحات الحاضر[5]. هي بذلك تعبير عن فهم شمولي، يعتبر أن الإسلام الحق يتموقع خارج التقليد، ويعمل ضده بالدعوة إلى تنقية المعتقد والممارسة، بما يتطلب حركة إحيائية تتجاوز كل ما طرأ على البنى الاجتماعية والسياسيةوالفكرية والتربوية. إنها المقاومة للبدع في المعتقد والسلوك، بمواجهة فقهاء التقليد ومؤسساتهم التعليمية والقضائية، ونقد للفكر الذي تستند عليه.

لكن هذا الحرص على العودة إلى نقاوة الأصول، في السياق المغاربي خاصة، لا يمكن أن يتحقق بصورة تقضي على كل أثر للتاريخ في خطابها. ما تثبته عموم التجربة السلفية العربية الحديثة المغاربية، في تنوّعه، بل وتباينه أحيانا، أن زرع الحس اللا تاريخي في مسعى طهوري باسم الرجوع إلى "الإسلام الحق" غير ممكن، لأن خرق حواجز التاريخ الضخمة وتراكماته دون أيّ تمثل لمعطياته ومكاسبه المختلفة ضرب من المحال.

يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس معرّفا الإسلام بأنه: "عقد اجتماعي عام في جميع ما يحتاج إليه الإنسان من جميع النواحي لسعادته ورقيّه"؛ ثم يضيف "إن مبدأنا في الإصلاح الديني والدنيوي، أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلاّ بما صلح به أولها". يزيد بعد ذلك، فيقول إن "الإسلام الوراثي لا يمكن أن ينهض بالأمم، لأن الأمم لا تنهض إلاّ بعد تنبّـه أفكارها، وتفتّح أنظارها، والإسلام الوراثي مبني على التقليد والجمود، فلا فكر فيه ولا نظر".[6]

من هذه الجمل، يتبين أن القوام الفكري للسلفية الحديثة في بلاد المغرب يتركز على مقولتين متلازمتين: إبطال التقليد بمناوءة كافة مؤسساته، مع حرص على استيعاب إيجابيات الآخر. ندرك هذا من ارتكان ابن باديس في تعريفه للإسلام إلى مفهوم "العقد الاجتماعي"، في ذات الوقت الذي لا يتردد فيه من القول بأن صلاح المسلمين في العصر الحديث يقتضي التزام الاقتداء بالسلف الصالح، في معتقدهم وسلوكهم ورؤاهم.

الأسئلة التي تطرح: كيف يتأتّى الجمع في منظومة واحدة بين عناصر لا يمكن أن تشكل بنية متماسكة؟ كيف يتاح تجديد أفكار مستعملة في منظومة ثقافية بمطابقتها مع قيم وأفكار هي إفراز لمنظومة أخرى؟ كيف يمكن اختزال مجالات المجتمع وحركيته طوال الأحقاب التاريخية، ثم القيام بإدانة الإسلام الوراثي والدعوة إلى "إسلام ذاتي" سبيله الواحد هو التعليم؟

من هذه التساؤلات تبرز المفارقة الكبرى للتوجه السلفي الحديث التي تُبرز لنا قوة ذلك التوجه، وضعفه في الآن ذاته. لقد استطاع بفضل هذا المنهج التوفيقي الداعي إلى نبـذ التقليد أن يعمل على اكتساح المؤسسة الدينية التقليدية لزعزعة مكانة الفقهاء، وسلطة المتصوفة، وأصحاب الطرق، مستفيدا في ذلك من ثغرات مختلف مراكز تلك المؤسسة، عاملا على اختراقها وثم تهميشها. مثل هذا السعي يكشف الهنات، ولا يستدعي ولا ينمّي أي حس تاريخي بديل لدى المسلم[7]. ذلك ما مكّن السلفية الحديثة حتى الفترة المعاصرة من تحطيم الأشعرية والتصوف، كما ساهمت بقوة في القضاء على التقليد الفقهي.

لكن هذه الإدانة السهلة "لـلإسلام الوراثي" لم تنتج وعيا تاريخيا جديدا، لإغفالها مصادر قوة تلك الثقافة الدينيةالتي اعترتها البدع والانحرافات، والتي تستند إلى رؤى وتنظيرات ومواقف العلماء المؤسسين، بما لديهم من الوعي والالتزام والفاعلية في واقعهم الخاص وعصرهم المنصرم. ما غاب عن موجات السلفية الوافدة على بلاد المغرب، أن هشاشة المنظومة المذهبية والعقدية لا يلغي قاعدتها التي تأسست عليها، والتي تظل ذات شرعية رغم انكفائها في دائرة التقليد؛ معنى هذا أن مجرد التصدي للمؤسسة التقليدية وإدانة التقليد لا يجدي، ما لم تقع مراجعة منهج التفكير، وبناء وعي تاريخي معاصر.

في ذات الخطأ، وقعت أنظمة وتيارات عربية تحديثية حين ظنت أنها قادرة، بمجرد ضرب المؤسسة الدينية أو استتباعها أو مناوءتها، على إلغاء أية سلطة اجتماعية منافسة تتحداها في مشروعاتها التحديثية الخاصة.

ما أفرغ المشروع الإصلاحي السلفي الحديث من الفاعلية الإيجابية في الواقع العربي والمغاربي، بخاصة اقتصاره على أن يكون قوة احتجاجية متمردة على التراث الوسيط للإسلام، لكونه شجع التقليد، وأساء إلى النص الديني وفهمه السليم، مع خلوّ ذلك المشروع من أي منهج آخر، مختلف عن المنهج التقليدي السائد، وذهوله عن أسس الممانعة التي يستند إليها "الإسلام الوراثي" في العالم العربي الإسلامي. على ذلك فلم تقـــو السلفية على إعادة نظر ناقدة في حداثة الغرب، مما جعلها تمهّد موضوعيا لدعاة التحديث القسري، الذي يرى أن القيم الحديثة ومنظومتها الحضارية والفكرية هي مكتسبات إنسانية، واكتشافات عقلية نهائية، نفوذا وهيمنة لعقود متتالية.

لمزيد توضيح هذه المفارقة، نعمد إلى حفر أولي في جذور "الإسلام الوراثي"، وبنيته الفقهية، وما يتصل بالمالكية خاصة، ذلك العنصر الذي ظل مقوّما للهوية المغاربية طوال قرون.

تاريخيا تمكّن مذهب الإمام مالك[8]، في بلاد الغرب الإسلامي، رغم التباين الشديد بين أوضاعه الحضارية والثقافية، ورغم مواكبته لمذهبين آخرين هما مذهب الأوزاعي[9] في الأندلس، ومذهب أبي حنيفة [10] في إفريقية والمغرب الأقصى في أطوار أولى. أهم ما يفسر غلبة مذهب مالك على بلاد المغرب، هو انفراد تلك المدرسة بطاقة اقتراحية، وحضور تفاعلي مواكب للواقع الاجتماعي. تجسدت هذه الخصوصية في كثرة أصول المذهب بما أفسح مجالا أوسع للتخريج، موفرا للإفتاء أدلة صالحة يختار منها الفقيه أصلحَها. لقد أدرك تلاميذ مالك أن اختلاف النَـزعات والأوضاع، ووفرة الحراك الاجتماعي، لا يمكن أن يحقِّقَ لهم تنظيم حياة بلاد الغرب الإسلامي العامة والخاصة، إلا إذا استندوا إلى نفس ذلك الواقع المتشابك المتحرك، ليجعلوا منه سندًا في امتلاك ناصية المرجعية الفقهية.

بذلك استمدت المدرسة المالكية حيويتها من تجدد الحياة في آفاق الغرب الإسلامي، فلم تعتمد التمشي الذي أقبل عليه الحنفية والمتمثّل في أهمية الجهد التنظيري الذي يتعالى بتجريده على الأحداث ومعانيها. أهميّة منهج المدرسة المالكية في المغرب في العصر الوسيط في إدراكها لما للواقع من شأن، وذلك ما دفع بها إلى فقه النوازل الذي يتيح تعددًا للآراء، ناتجا عن الاختلاف في تقدير ما تطرحه الحياة اليومية من تساؤلات، بينما ستكون معضلة الفقهاء المتأخرين خاصة، هو نظرهم إلى ذلك الواقع على أنه أمر ثابت، لاعتبارهم إياه "الواقع ـ المثال" الذّي لا ينبغي تجاوزه، لأنه في نظرهم يحافظ على حياة اجتماعية مطردة للجماعة.

من روح هذه المدرسة المالكية قبل أن تهيمن عليها ثقافة التقليد فتبعدها عن سير الحياة المركّبة، وعن مصالح الناس وأعرافهم، ندرك ما يواجه الفكر الإسلامي المعاصر اليوم من مصاعب وتحديات . ما يفيدنا به التوجه السلفي الحديث والمدرسة المالكية هو أن الفكر الإسلامي، أيا كان منزعه الفقهي أو العقدي أو الإيديولوجي، لا يقوى على البناء والإبداع إلا بالخروج من ثقافة التقليد وبالوعي التاريخي البديل. ذلك هو الخيار الذي يدفع إلى مغادرة مواقع التمركز والانغلاق على الذات، التي تحول بينه وبين فاعلية حقيقية في عالَم معولم، تضاعفت فيه التحديات المواجهة للمعتقدات والثقافات الخاصة.


[1]- عبد الهادي بو طالب (1923-2009) كاتب ومفكر وسياسي مغربي، درس بالقرويين وحصل على إجازة ودكتوراه في الشريعة وأصول الفقه، ودكتوراه في الحقوق، تخصص قانون دستوري - عمل في القضاء و التدريس الجامعي. له عدة مؤلفات في السياسة و القانون و الأدب والإسلاميات بالعربية و الفرنسية.

[2]- زار الأستاذ الإمام محمد عبده( 1849-1905) تونس مرتين، كانت الأولى سنة 1884 والثانية سنة 1903، وقد امتدت فترة أطول من الأولى، وكان لها أثر أبلغ من السابقة لكونها وطّدت العلاقة من قسم من النخب التونسية المقبلة على الإصلاح المعتمد على العلم والتربية، في حين كانت الزيارة الأولى، رغم انطلاقها من ذات الرؤية الفكرية الإصلاحية، فإنها كانت ما تزال موالية لرؤية جمال الدين الأفغاني الذي كان يراهن على نجاعة إصلاح الحاكم.

[3]- انظر لتصدي علماء الزيتونة للدعوة السلفية في مدّها الأول في ابن أبي الضياف الإتحاف ج 5 ص 63 وما يليها.

[4]- يعرّف الشيخ محمد عبده الإصلاح بقوله : " هو تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف هذه الأمة قبل ظهور الخلاف والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه، وتقلل من خلطه وخبطه، لتتم كلمة الله في حفظ نظام العالم الإنساني"، انظر محمد عمارة، تجديد الفكر الإسلامي عند محمد عبده ومدرسته، القاهرة 1980

[5]- راجع موسوعة الفلسفة العربية، فصل السلفية ص 733

[6]- ابن باديس أحد أبرز أعلام الإصلاح السلفي في الجزائر، ( 1889- 1940م)، راجع الأعمال الكاملة، تحقيق عمّار الطالبي، الجزائر 1968 ج3، ص ص 240-246

[7]- راجع كتاب الدكتور مصطفى الشكعة، إسلام بلا مذاهب، الداعي إلى تجاوز الخلافات المذهبية، والمعتبر أن الإسلام هو "دين فطرة" يتلاءم مع الطبيعة البشرية.

[8]- توفي الإمام مالك بن أنس سنة 197هـ/ 795م

[9]- توفي الإمام عبد الرحمن الأوزاعي الشامي سنة 157هـ/774م

[10]- توفي الإمام أبو حنيفة النعمان الأفغاني سنة 150هـ /767م

* كاتب ومفكر تونسي وأستاذ جامعي متخصص في أصول الدين والفكر الإسلامي المعاصر

 

المصدر: موقع مؤمنون بلا حدود


الثلاثاء، 26 مايو 2020

الانتشار الحضري نموذج إرنست بورغس

الانتشار الحضري نموذج إرنست بورغس

محد الدهان*


يعتبر النموذج النظري  الذي صاغه الباحث إرنست بورغس  Ernst Burguess لتفسير النمو والتمايز الحضري من أشهر المقاربات في علم الاجتماع الحضري. هذا النموذج الذي يعرف بالتوسع الدائريconcentric zone model أو نظرية الغزو المتعاقبprocess of invasion- succession  هو محاولة لدراسة انتشار الأنشطة الحضرية انطلاقا من مركزها في اتجاه الضواحي.    ينتمي إرنست بورغس  إلى الجيل الوسط لعلماء الاجتماع المنتمين لمدرسة شيكاغو التي عين فيها أستاذا مشاركا بعد حصوله على الدكتوراه في علم الاجتماع. وقد كان موضوع رسالته هو وظيفة التنشئة الاجتماعية في التطور الاجتماعي. وقد عمل  مع أستاذه “بارك” الذي كان يقاسمه نفس المكتب في الجامعة، وأنجزا معا مؤلفهما المشهور مدخل إلى علم السوسيولوجيا   Introduction to Science of the Sociology  سنة 1921. وقد لعب Burguess دورا رائدا في تأطير البحث الجامعي، وتكوين جيل جديد من الباحثين،  الذين ساعدهم على ولوج مراكز البحث والحصول على الاعتمادات الضرورية لتمويل مشاريعهم، والإطلاع على الوثاق والإحصائيات المتوفرة عند الإدارة، والمؤسسات المعنية بمواضيع الأبحاث التي كان يجريها الطلبة الباحثون مثل الدراسة  التي قام بها Nels Anderson  حول العمال المهاجرين.

      على المستوى المنهجي يرجع الفضل إلى  Burguess  في خلق تقليد ميداني يجبر الباحثين على استعمال معطيات كمية دقيقة، قابلة للمعالجة الإحصائية والتوضيح الخرائطي. ذلك أن استعمال الخرائط، وخصوصا في الدراسات الحضرية، واستعمال قواعد إحصائية بسيطة كالنسب والمعدلات، من شأنهما أن يساعدا الباحث على ربط الظواهر وإبراز العلاقات بين المتغيرات في مواضيع مختلفة، كالجريمة وانحراف الأحداث والانتحار والطلاق، وتوزيع هذه الظواهر في المجال الحضري.

   لقد أنجز Burguess      أبحاثا حول ثلاث مواضيع أساسية: النمو الحضري، موضوع الزواج والطلاق، وتأثير العزلة على المسنين.

    فيما يخص الموضوع الثاني اهتم “بارجس” بدراسة الشروط التي تؤثر في الزواج، مبرزا أهمية العوامل الاجتماعية والأصول التي تحدد سلوك الزوجين، وضرورة التكيف مع الآخر لضمان استمرارية ونجاح العلاقة الزوجية. وقد نشر في هذا الموضوع نتائج بحث أنجزه حول الموضوع مع Leonard Cottrell  سنة 1939  تحت عنوانPredicting succss or Failure in Marriage .وقد تم انتقاد نتائج هذه الدراسة لأن الباحثين لم يأخذا بعين الاعتبار الجوانب العاطفية، مع العلم أنها تلعب دورا أساسيا في استمرارية الزواج.

  فيما يخص موضوع المسنين، فقد أشرف Burguess  على دراسة  تهم شريحة المسنين لمعرفة ظروف عيشهم وتأثير العزلة على حياتهم. وقد كان الهدف من هذه الدراسة، تجميع معطيات لضمان نجاح البرامج التي تعدها الدولة لصالح هذه الشريحة من السكان. وقد نشرت نتائج هذا البحث في مؤلف يحمل عنوان Aging in western societies  سنة 1969.

   النمو الحضري 

حاول Burguess  أن يدرس المدينة في شموليتها ، مبينا تكامل  المجالات والمناطق المختلفة  التي تتشكل منها. واستعمل في هذا السياق النموذج التفسيري التوضيحي المعروف بconcentric zone model  أو نموذج المجالات الدائرية. هذا النموذج يتوخى شرح نمو المدينة بشكل عام بالاعتماد على مثال مدينة شيكاغو. إن المدينة تنمو بفعل الضغط المستمر للسكان. هذا الضغط ينتج تركز الساكنة في المدينة ويدفع بالأنشطة التجارية والصناعية خارج المركز. إن صيرورة الانتشار الحضري، تتم وفق سلسلة من الدوائر المتركزة تحت تأثير ضغط يأخذ شكل غزو متعاقبprocess of invasion-succession  . في حالة مدينة شيكاغو يتجلي هذا التطور في خمس دوائر متركزة كما هو الحال في  الشكل التالي:

-الدائرة الأولى تضم المنطقة المركزية loop  حيث تتركز الأنشطة التجارية  وتوجد محطة القطار  والأنشطة الصناعية المرتبطة بالسكك الحديدية.

-الدائرة الثانية تتشكل من الحياء ذات المباني الهشة والبنايات القديمة يقطنها بشكل مؤقت السكان النازحون من البوادي والمهاجرون، وهي منطقة انتقالية.

-الدائرة الثالثة تضم أحياء يقطنها العمال المؤهلون، والشغيلة، والموظفون، والمهاجرون الذين نجحوا في الاندماج في المجتمع الأميركي.

-الدائرة الرابعة، تتواجد بها الأحياء السكنية الراقية الخاصة بالأمريكيين.

-الدائرة الخامسة وتضم الضواحي القريبة من المدينة الكبرى، ويسكنها كل من اختار الإقامة خارج المدينة، بسبب أزمة السكن، وغالبا  ما يزاول هؤلاء الأشخاص  مهامهم في المدينة التي يغادرونها في نهاية اليوم.

هذا النموذج هو في آن واحد نموذج اجتماعي ومجالي، يربط التطور الحضري بجوانبه الاقتصادية والاجتماعية. وقد كان له تأثير بالغ في الولايات المتحدة وخارجها حيث مكن من فهم الصيرورة التي تتحكم في الانتشار الحضري. وقد بين الباحثون نجاعته في دراستهم للمدن الكبرى في الدول الصناعية. الباحث الفرنسي Chombard De Lauwe  اعتمد عليه مع بعض التصحيحات في دراسته حول باريس والضواحي. لكن هذا النموذج غير صالح لفهم نمو وتطور المدن الكبرى في الجنوب التي ارتبط تطورها بعوامل داخلية وخارجية،مثل  التخلف والهيمنة وحدوث الثورة الديموغرافية قبل التصنيع، واستفحال الفوارق الاجتماعية في ظل العولمة المتوحشة ولنا عودة للموضوع.

 

*محمد الدهان من أبرز السوسيولوجيين المغاربة، توفي سنة 2013، وقد كان قيد حياته  أستاذا في جامعة محمد الخامس، حيث كان يدرس سوسيولوجيا الإعلام والانثروبولوجيا،  كما كان إلى جانب ذلك ناقدا سينمائيا

 

المصدر: مدونة الأستاذ الدهان

https://dahanarabland.wordpress.com/2011/10/

 


مدخل إلى السوسيولوجيا الحضرية

مدخل إلى السوسيولوجيا الحضرية

محد الدهان*


نزولا عند رغبة العديد من القراء، وبالخصوص طلبة علم الإجتماع ،الجدد والقدامى، سأتابع نشر مقالات حول مواضيع تهم السوسيولوجيا بمختلف تخصصاتها. وبعد سلسلة المقالات التي خصصتها لموضوع الحركات الإجتماعية ، سأحاول ابتداء  من هذا المقال التذكير بالمحطات الأساسية لتطور علم الإجتماع الحضري.

  مدرسة شيكاغو

ليس من الغريب  أن يقترن ظهور السوسيولوجيا في الولايات المتحدة، بالتحولات العميقة التي عرفتها البنية الحضرية نتيجة تسارع وتيرة التصنيع، والهجرة الأوروبية  المكثفة، في اتجاه المدن الأميريكية، منذ مطلع القرن التاسع عشر. وقبل ذلك، ظهر علم الاجتماع في أوروبا، نتيجة الثورات التي عرفها العالم القديم، بعد انتقال المجتمع من نمط الإنتاج الإقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي، وما صاحب ذلك من تغييرات ما كان من الممكن فهمها دون مقاربة جديدة، يتم فيها توظيف مفاهيم ومناهج  ملائمة لفهم التحولات الجديدة والمتسرعة. بنت السوسيولوجيا الحراك الاجتماعي، وليس من الغريب أن تظهر في شكلها الحضري في الولايات المتحدة مع نهاية القرن التاسع عشر. وقد قال في هذا الصدد الباحث Everett C .Hugues (1897-1983) “لقد كانت السوسيولوجيا حركة اجتماعية قبل أن تتحول إلى تخصص جامعي”.

إن توافد مهاجرين جدد من مختلف الجنسيات، يتحدثون لغات مختلفة، وينتمون لثقافات متعددة وأحيانا متباينة، قد عمق من الاختلالات التي بدأت تعيشها المدن الأميريكية في تلك الفترة، والتي كانت  تشبه إلى حد كبير ما تعرفه اليوم مدن الجنوب: ارتفاع جيوب الفقر وتنامي البناء العشوائي، وانحراف الأحداث وظهور والجريمة المنظمة، تنامي العنف الحضري بكل أشكاله، وارتفاع نسبة المهمشين وتعاطي البغاء والإدمان على المخدرات، انتشار الأمراض العقلية والأوبئة في الأحياء المهمشة…بالإضافة إلى ذلك تولدت صراعات عرقية بين المهاجرين الجدد والقدامى، وارتفعت حدة الميز العنصري ضد الزنوج الوافدين من جنوب الولايات المتحدة. ولا غرابة إذن أن ينكب علماء الاجتماع على دراسة هذه المواضيع بالضبط مع التركيز على بعدها الحضري.

والجدير بالذكر أن السوسيولوجيا الأميريكية في هذه المرحلة، ارتبطت بالحركات الاجتماعية المتنامية، والحركات الإصلاحية التي كانت تضم بعض العناصر  من النخبة الاقتصادية، والطبقات المتوسطة والمثقفين، وبوجه خاص أساتذة علم الاجتماع. وليس من الغريب أن تكون أول شعبة في علم الاجتماع في جامعة شيكاغو الحديثة العهد  (1892 ) تضم أساسا باحثين متخصصين في السوسيولوجيا…

لقد مثلت مدينة شيكاغو مختبرا حقيقيا  بالنسبة إلى علماء الاجتماع ما بين 1900  و1930، حيث استأنس جلهم بخصوصيات البحث الميداني، وجربوا أدواتهم ومناهجهم العلمية، من خلال المحاولة والخطأ في بداية الأمر قبل التوصل إلى نتائج أكثر دقة من خلال استعمال المناهج الكمية والكيفية، كالمقابلة والاستمارة والتحليل الإحصائي، وإنجاز خرائط لربط توزيع الظواهر المدروسة بالمجال الحضري. وقد استطاع الباحثون الأوائل تحقيق تراكم معرفي في زمن قصير نسبيا كما يشهد على ذلك عدد الأبحاث والأطروحات والمقالات العلمية التي نشرها أقطاب هذه المدرسة إلى حدود 1930.

لا يسعنا في هذا المقال، أن نقف على كل القضايا والمواضيع التي درسها أقطاب هذه المدرسة، والإشكاليات العلمية التي تطرحها مقاربتهم للظاهرة الحضرية. لهذا سنحاول فقط، التعريف ببعض الباحثين وأعمالهم، تعميما للفائدة مع إحالة القارئ إلى النصوص التي يتوجب الرجوع إليها.

المؤسسون:

وليام إزاك توماس William Isaac Thomas ( (1863-1947

يعد وليان إزاك توماس من الجيل الأول من الباحثين، المنتمين إلى مدرسة شيكاغو، حيث التحق بالجامعة كأستاذ مساعد منذ سنة 1897 ، ثم أستاذا مشاركا في سنة 1900 وأستاذا من 1910 إلى 1918..وقد جاء إلى السوسيولوجيا عن طريق الفلسفة وعلم النفس الاجتماعي، حيث سبق أن درس هذه المواد في جامعة برلين وتأثر بالمناخ الفكري السائد آنذاك في الجامعة الألمانية مثله مثل Ezra Park  الذي ينتمي أيضا لجيل المؤسسين.  وقد تأثر خلال سنوات تكوينه بمؤلف Herbert Spencer “مبادئ في علم الاجتماع” الذي قرأه حين كان طالبا وحدد توجهاته المعرفية لاحقا. وتظهر النزعة النفسية الاجتماعية في أعماله الأولى التي تناول فيها قضايا تهم النوع والاختلافات الجنسية، ومدى تأثيرها في السلوك، مثل أطروحته لنيل الدكتوراه التي تحمل عنوان  Difference in the metabolism of the sexes(1896) ومؤلفه الأساسي الجنس والمجتمع (1907).

ولعل هذا التوجه النفسي الاجتماعي، هو الذي سيدفعه لاحقا لاستعمال المنهجية المعتمدة على السيرة الذاتية، وقراءة الوثائق والمراسلات الشخصية، كوسيلة لاستخراج المعلومة والحصول على معطيات أساسية وموثوقة. وقد استعمل هذه المنهجية بنجاح في البجث الواسع الذي أشرف على إنجازه حول المهاجرين ذوي الأصول البولندية بمساعدة فلوريان زانانيكي  Florian Witold Znaniecki والذي نشره تحت عنوان  “الفلاح البولندي”. ويعتبر هذا البحث الذي قامت بتمويله مؤسسة خاصة   Helen Culver Fund أول بحث ميداني جدي في السوسيولوجيا الأميريكية. يمكن إجمال المنهجية المستعملة في هذا البحث في العناصر التالية:

1-الوقوف على الطريقة التي يتم من خلالها إدراك الأفراد للأوضاع التي يتواجدون فيها، وكيف يفهمون هذه الأوضاع. وقد صاغ W. Thomas   في هذا السياق المبدأ السوسيولوجي المشهور: إن كل وضعية يعتبرها الفرد موجودة تكون موجودة فعلا في امتداداتها. بعبارة أخرى إن تصوراتنا حول الواقع تؤثر في سلوكنا وطريقتنا في البحث عن حلول للمشاكل التي نواجهها حتى لو كان إدراكنا خاطئا للأوضاع التي نعيشها.

2- الباحث السوسيولوجي يحتاج في نفس الوقت لدراسة الوقائع الاجتماعية، والقيم والقواعد الخارجة عن الأفراد بالمعنى الدوركايمي، ويدرس في نفس الوقت السلوك الشخصي المقابل لهذه القيم، والقواعد والوقائع الاجتماعية.

3- استعمال التقنيات الكيفية في البحث السوسيولوجي المعتمدة على تقنية المقابلة المعمقة، ودراسة السيرة الذاتية،  من خلال السرد البيوغرافي، وقراءة المراسلات، ودراسة الوثائق الإدارية، واعتماد الإحصائيات الاجتماعية، مع التركيز على حالات خاصة عوض الاهتماع ببنيات عامة ومجردة.

  وقد طبق الباحث بنجاح هذه المنهجية، في دراسة عدد من المواضيع من بينها وضعية المرأة والعلاقة بين الجماعات العرقية، وموضوع الجريمة وظاهرة الفوضى الاجتماعية.

والجدير بالذكر أن W.Thomas  سبق أن أشرف على إدارة المجلة المشهورةAmerican Journal of Sociology  كما تم تعيينه سنة 1927 رئيسا شرفيا للجمعية الأميريكية لعلم الاجتماع.

*محمد الدهان من أبرز السوسيولوجيين المغاربة، توفي سنة 2013، وقد كان قيد حياته  أستاذا في جامعة محمد الخامس، حيث كان يدرس سوسيولوجيا الإعلام والانثروبولوجيا،  كما كان إلى جانب ذلك ناقدا سينمائيا

 

المصدر: مدونة الأستاذ الدهان

https://dahanarabland.wordpress.com/2011/10/