بحث

الخميس، 28 مايو 2020

العنف الاجتماعي وكبش الضحية: مدخل لقراءة أعمال روني جيرار René Girard

العنف الاجتماعي وكبش الضحية

مدخل لقراءة أعمال روني جيرار

محمد الدهان*


يعد روني جيرار René Girard  من الباحثين الذين ساهموا بشكل أساسي في صياغة نظرية أنثروبولوجية  حول موضوع العنف الاجتماعي، وميكانيزمات التفريغ الضرورية للحيلولة دون تعميمه على كل الأفراد مما يهدد المجموعة ككل في استقرارها واستمراريتها. ولفهم هذا الموضوع قام “روني جيرار” ببناء نظرية المحاكاة التملكية  التي يعتبرها بمثابة حجر الزاوية لفهم الصراع الاجتماعي وما يترتب عنه من عنف، والوسائل التي تلجأ إليها المجتمعات البشرية لدرء المخاطر التي تهددها.

    “روني جيرار” باحث فرنسي وقد جاء إلى الأنثروبولوجيا عن طريق الأدب المقارن والتاريخ. وقد قضى جل حياته الجامعية بالولايات المتحدة حيث درس بجامعة Jhons Hopkins  في Baltimore. في سنة 1961 عرض لأول مرة مفهوم “رغبة المحاكاة” Désir mimétique في كتابه المعنون “الكذب الرومانسي والحقيقة الروائية”. هذا المفهوم سيحتل الصدارة في أعماله  اللاحقة  التي ستأخذ منحى أنثروبولوجيا واضحا مثل كتاب “العنف والمقدس” أو “أشياء خفية منذ بداية الدنيا” ومؤلف “كبش الضحية”. ولتقريب القارئ من هذه النظرية سأقوم بعرض وجيز لأهم المفاهيم التي تتشكل منها أطروحة “روني جيرار”.

المحاكاة التملكية

    من خلال دراسته للنصوص الأدبية الكبرى (شكسبير، دوستويفسكي،مارسيل بروست) تبين ل”روني جيرار” أن الرغبة هي المحرك الأساسي للعلاقات الإنسانية وأن هذه الرغبة  من نوع خاص لأنها تحتاج لعنصر ثالث للتعبير عن نفسها. إنني أرغب في ما يرغب فيه شخص  آخر أعتبره نموذجا أقتدي به في اختياري. هذا النموذج ينعته “روني جيرار” بالوسيط médiateur  بين الذات وموضوع الرغبة. إن الرغبة تتم دائما في إطار مثلث:إنني أرغب في هذا اللباس لأن فلانا من معارفي أثق في ذوقه…  ،وأرغب في تلك المرأة لأنها تثير إعجاب الآخرين…هذا الوسيط يمكن أن يكون خارجيا، بعيدا كل البعد عن الشخص الراغب (شخصيات فنية أو رياضية…) نقلد سلوكها في اختياراتنا، أو داخلية حين يتعلق الأمر بأفراد تربطنا بهم علاقات مباشرة في العمل أو السكن أو في العلاقات الأسرية. في هذه الحالة يتحول الوسيط إلى منافس وأحيانا إلى عدو كلما ارتفعت قيمة الموضوع المتنازع عليه.

   إن التقليد والمحاكاة خاصية بشرية وهي أصل التعلم بكل أشكاله كما عبر أرسطو عن ذلك. إننا نتعلم بالمحاكاة، نتدرب على النطق بأصوات معينة ونحن أطفال، نتعلم كتابة الحروف من خلال ما نراه فوق الصبورة، نتدرب على حركات معينة في الرياضة والرقص…لكن المحاكاة سرعان ما تأخذ أشكالا عنيفة ولا سيما حين يتعلق الأمر بتحقيق رغباتنا، لأن الوسيط يتحول إلى منافس وخصوصا حين تتوخى الرغبة تملك موضوعها وهو ما ينعته “روني جيرار” بالرغبة التملكية mimésis d’appropriation.  من جانب آخر تتميز الرغبة التملكية بانتشارها السريع مثل عدوى وخصوصا حين يكون موضوعها نفيسا ونادرا وضروريا. حينئذ تتحول هذه الرغبة التملكية إلى مصدر عنف يمكن إذا تعمم أن يهدد المجموعة في حياتها. ذلك ما أطلق عليه “روني جيرار” عبارة “أزمة المحاكاة”.

أزمة المحاكاة: حين تأخذ المنافسة شكلا جماعيا (الكل ضد الكل) لتملك ما هو ثمين ونادر تبدو الفتنة كخطر حقيقي يهدد حياة المجموعة. إن العنف مثل الرغبة، يخضع لمنطق التكرار والانتشار (العنف يولد العنف) كما هو الحال عند بعض التجمعات القبلية التي تمارس الانتقام (السن بالسن والدم بالدم) انطلاقا من مفهوم الشرف والفدية. وقد بينت الدراسات الأنثروبولوجية  في هذه الحالة بالضبط كيف يتم توظيف المقدس لوقف إراقة الدماء. ومن خلال دراسته للنصوص التي تتأسس عليها الديانات السماوية،وبعض الأساطير المشتركة بين الشعوب توصل “روني جيرار” إلى خلاصة مفادها أن هناك ميكانيزم ثقافي كوني تستعمله كل المجموعات البشرية للحد من العنف الذي يهدد وجودها: البحث عن كبش الفداء bouc émissaire.

كبش الضحية                    

إن الرغبة التملكية تخلق الأحقاد بين المتنافسين لدرجة نسيانهم للموضوع المتنازع عليه. وحين تصل الأزمة ذروتها يصبح الإدراك الجماعي متذبذبا وقابلا لأي إيحاء يوهمه بأصل الأزمة والسبب في حدوثها. وإذا تعلق الأمر بشخص بعينه ستتنفس المجموعة الصعداء لأنها تحول العنف من وجهته الخطيرة (الكل ضد الكل) إلى (الكل ضد الواحد). ذلك ما ينعته “روني جيرار” بآلية التضحية”  mécanisme victimaire أو ما يسميه أيضا le lynchage fondateur. حين يصل العنف ذروته تختار المجموعة فردا داخل المجموعة أو خارجها لتحميله مسؤولية الأزمة وتركيز الحقد عليه باعتبار أنه المسؤول عما تعيشه المجموعة من كوارث وأحقاد. وبالقضاء عليه أو انصرافه تتنفس المجموعة الصعداء ويعود الوئام ولو لفترة.

   لكن سرعان ما يتجدد العنف الجماعي، بسبب النزعة الطبيعية عند الإنسان نحو التملك وظهور الرغبات المتعارضة. ولتفادي تكرار ما حدث تلجأ المجموعة إلى البحث عن حل خيالي لأزمة حقيقية. ذلك هو دور الطقوس المسماة بطقوس التضحية. إن طقوس التضحية على شكل ذبيحة هي وسيلة لتفريغ العنف الكامن عند كل مجموعة بشرية من خلال توجيهه نحو ضحية حيوانية تتقاسم بعض الصفات مع البشر مثل المنفعة والبراءة.إن فرضية التعويض تدعمها المعطيات الميدانية ودراسة النصوص القديمة والكتب السماوية والأساطير المؤسسة كما بين ذلك “روني جيرار” في مؤلفه “العنف والمقدس”.

 *محمد الدهان من أبرز السوسيولوجيين المغاربة، توفي سنة 2013، وقد كان قيد حياته  أستاذا في جامعة محمد الخامس، حيث كان يدرس سوسيولوجيا الإعلام والانثروبولوجيا،  كما كان إلى جانب ذلك ناقدا سينمائيا

 

المصدر: مدونة الأستاذ الدهان

https://dahanarabland.wordpress.com/2011/10/

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق