سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية
محمد الدهان*
تكاد تكون سوسيولوجيا الثورات، غائبة من المقررات
الجامعية والبحث العلمي في الوطن العربي، علما أنها موضوع الساعة، فكم من باحث
تنبأ بما يحدث اليوم (ولو من باب إسداء النصيحة للحكام وإثارة الانتباه للمخاطر
المحدقة بهم) في بلاد دخلت منطقة الأعاصير بعد سبات عميق، اعتبره البعض خاصية
طبيعية للمجتمعات العربية التي تم ترويضها من طرف الإستعمار والإستبداد الشرقي. كان الباحث “كلود ليفي ستروس ” يميز في هذا
الصدد، بين المجتمعات الباردة sociétés froidesالتي تقاوم التغيير وتكتفي بإعادة إنتاج بنياتها
المهترئة في إطار نظام تقليدي محافظ، ومجتمعات “ساخنة” sociétés chaudes تتميز بالحيوية والبحث عن
ما هو جديد والتعبئة المستمرة لتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية، ومقاومة
التسلط والاستبداد. والمفارقة أن المجتمعات العربية يتم وضعها في خانة “المجتمعات
الباردة” نظرا لهيمنة النسق التقليدي على مكوناتها السياسية والثقافية بالمعنى
الأنثروبولوجي للكلمة. إنها تعيد إنتاج نفس الأنماط السلوكية وتحارب كل ما هو جديد
بدعوى المحافضة على الهوية الثقافية، والدفاع عن المقدسات، سواء كانت دينية أو
سياسية. هذه الصورة التي رسمها المستشرقون والأنثروبولوجيون عن المجتمعات العربية
كانت تبدو أقرب إلى الحقيقة قبل مطلع هذه السنة.
كان العالم العربي، يبدو مثل مستنقع آسن، تنبعث
منه رائحة الأنظمة الرجعية والفساد الاجتماعي بكل أشكاله، في غياب الجماهير التي
كانت تبدو منشغلة فقط بالبحث عن لقمة العيش، غارقة في همومها، وغير مرتبطة
بالوعي الجماعي بالمعنى الدوركايمي. كيف تحول المجتمع العربي في ظرف وجيز، من
جسد شبه ميت، إلى كيان تدب فيه الحياة من جديد، وتبلغ درجة حرارته ما يكفي لخلع
رئيسين في فترة قياسية (شهر ونصف).
لا يتوفر عالم الاجتماع، على منهجية علمية لدراسة الثورات،
وليس بوسعه أن يضمن الموضوعية والحياد لفهم ما يحدث. إنه يستطيع في أحسن الأحوال
أن يدرس الظاهرة الثورية بعد حدوثها، وهو يختلف في مقاربته عن المؤرخ الذي غالبا
ما يكتفي بسرد تسلسل الأحداث وتعاقبها، بينما يحاول الباحث السوسيولوجي أن يبرز
بنية الثورات ويضع تصنيفا لها (ثورة عنيفة، ثورة بيضاء، ثورة فاشلة، ثورة ناجحة،
ثورة شعبية،ثورة عسكرية…). هذه المقاربة وإن كان لها ما يبررها من الناحية
الأكاديمية (العلم من أجل العلم، وربما تجنب الأخطاء في المستقبل) إلا أنها بدون
جدوى لكونها تأتي بعد العاصفة ولا تنقذ أحدا.
هناك
مقاربة أخرى للظاهرة الثورية من زاوية علم الاجتماع، وهي معايشة الأحداث خلال
وقوعها واستعمال منهج الملاحظة المشاركة، والانصهار في الفعل الثوري. في هذه
الحالة، يكون هناك تطابق بين الذات العارفة، وموضوع المعرفة، ويتحول السوسيولوجي
إلى فاعل، والمعرفة الاجتماعية إلى سلاح، ولا يكتفي الباحث بتأويل الواقع بل
يتوخى تحويله. إن الهدف من المعرفة السوسيولوجية هو نفوذ الوعي إلى عمق الأشياء
وتوسيع دائرة المعلوم على حساب مناطق الظل بغية التأثير في مجريات الأمور. مع ذلك
ليس بوسع عالم الاجتماع أن يتنبأ بالمستقبل لأن التاريخ البشري يتضمن دائما عنصر
المفاجأة والجدة كما يحدث اليوم في العالم العربي.
إن
سوسيولوجية الثورات، جزء من نظرية عامة حول التغير الاجتماعي، لها علاقة مباشرة
بموضوع الحركات الاجتماعية. هناك مقاربات متعددة لهذه الظاهرة في السوسيولوجيا
المعاصرة، وتعميما للفائدة، سأقدم بعض الأطروحات العلمية المعروفة في هدا الصدد
لتزويد القارئ غير المتخصص، ببعض الأدوات المعرفية، ربما تساعده على فهم التطورات
المتسارعة التي بدأنا نعيشها مند مطلع العام الحالي.
يعد عالم الاجتماع الان تورين Touraine Alain، من أهم الباحثين الذين
ساهموا في دراسة موضوع الحركات الاجتماعية، من زاوية نظرية، ومن خلال البحث
الميداني. وقد قام بعدة أبحاث حول عمال المناجم في الشيلي، والحركات الاجتماعية في
أمريكا اللاتينية، واهتم منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي بما أسماه الحركات
الاجتماعية الجديدة (الحركات الاحتجاجية الجهوية، الحركات النسوية، الحركة الطلابية…).
على المستوى النظري، اقترح الان تورين Alain Touraine نموذجا نظريا لتحليل الفعل
الاجتماعي المرتبط بظهور الحركات الاجتماعية، يساعد في آن واحد على إبراز بنية هذه
الحركات. الشرط الأول لظهور أي حركة اجتماعية يتعلق بمسألة الهوية. لابد لأي حركة
اجتماعية أن تتوفر على مجموعة من المبادئ يسميها الباحث مبادئ الوجود. هذه المبادئ
وهي ثلاثة تعطي لأي حركة اجتماعية خصوصيتها وتوجه فعلها.
مبدأ الهوية:
إن أي
حركة اجتماعية، مطالبة بتوضيح هويتها وإعلان طبيعة تمثيليتها. من هم الأفراد أو
الشرائح الاجتماعية التي تدعي الحركة أنها تمثلهم. يتعلق الأمر هنا بتحديد هوية
الجماعة التي تدعي الحركة أنها تمثلها، وذلك بشكل واضح لا يترك المجال لأي لبس.
وتختلف هذه التمثيلية حسب طبيعة الحركة، فهناك حركات قطاعية أو تمثل جماعات فرعية
(عرقية أو دينية )، أو تمثل طبقة اجتماعية أو نوعية (حركة نسائية…). ويمكن أيضا أن
تدعي الحركة أنها تمثل المجتمع بكامله كما حدث في الثورتين التونسية والمصرية، حيث
ادعت حركات الشباب أنها تتحدث باسم الشعب المقهور…
مبدأ التعارض:
تفترض كل حركة اجتماعية، وجود خصوم يتعارضون مع
أهدافها إما بشكل صريح وعلني، أو من خلال وعود كاذبة، أو من خلال موقف غير مبالي.
وفي غياب هؤلاء الخصوم تفقد الحركة الإجتماعية شرعيتها ومبرر وجودها. ثمة تكامل
بين الحركة والخصوم. وإذا لم يعد الخصم خصما تتحول الحركة إلى شيء آخر(حزب سياسي
أو مؤسسة). ويحدث أن تتغير طبيعة الخصم خلال الصراع الاجتماعي حيث يظهر خصوم آخرون،
أو يحاول الخصم أن يهادن (كما فعل بن علي في خطابه الأخير بعد اشتداد ضغط الشارع
التونسي).
مبدأ الشمولية:
تسعى كل
حركة اجتماعية، إلى تبرير فعلها وضرورة ما تقوم به، من خلال قيم كونية، فلسفية
وأخلاقية وحتى دينية (تحقيق العدل والمساواة، الدفاع عن الكرامة، محاربة الفساد…).
وكلما اقتربت شعاراتها من معاناة الأفراد التي تدعي الحديث باسمهم، كلما توسعت
قاعدتها وقدرتها على التعبئة. ولنا في الأحداث الأخيرة التي عرفتها كل من تونس
ومصر أحسن مثال على هذا المبدأ الشمولي، حيث كانت الشعارات المرفوعة تشير إلى
محاربة التسلط والظلم الاجتماعي والدفاع عن الكرامة.
هذا
المبدأ الشمولي هو الذي يميز في نظر “تورين” الحركة الاجتماعية عن الفعل الجماعي،
لأن الأولى تتوخى التحكم في “المسيرة التاريخية ونماذج السلوك التي يؤسس المجتمع
عليها كل ممارساته”. وفي هذا الصدد اقترح “تورين” منهجية لدراسة الحركات الاجتماعية
سماها “التحليل الفعلي” Analyse actionnaliste هدفها تفسير الطريقة التي
يتم بموجبها ظهور قيم جديدة، وكيف تعبر هذه القيم عن نفسها وتوجه سلوك المجتمع
ككل. وبين “تورين” أن الحركات الاجتماعية هي التي توفر الشروط لظهور قيم جديدة.
ولذا يتعين على الباحث الاجتماعي أن يولي أهمية خاصة لدراسة هذه القيم، لأنها تلعب
دورا أساسيا في التغير الاجتماعي، وعلى ضوئها يتحدد سلوك الفاعلين الاجتماعيين
سواء كانوا من دعاة التغيير أو مناهضين له.
*محمد الدهان من أبرز السوسيولوجيين المغاربة،
توفي سنة 2013، وقد كان قيد حياته أستاذا في
جامعة محمد الخامس، حيث كان يدرس سوسيولوجيا الإعلام والانثروبولوجيا، كما كان إلى جانب ذلك ناقدا سينمائيا
المصدر: مدونة الأستاذ الدهان
https://dahanarabland.wordpress.com/2011/10/

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق