الهوية المتحركة
مقاربة الباحث الايطالي “ألبرطو ميلوشي”
للحركات الاجتماعية
محد الدهان*
يعتبر عالم الاجتماع الإيطالي ألبرطو ميلوشي Alberto Melucci (
( 1943 -2001 من أهم الباحثين الذين
اقترحوا مقاربات جديدة على المستوى النظري والميداني لفهم الحركات الاجتماعية
والأشكال الجديدة للفعل الاجتماعي في عصر الإعلام. ومثله في ذلك مثل مانويل كاستلز
Manuel Castells.
ربط ”
ألبرطو ملوشي” تطور الحركات الاجتماعية بالثورة الإعلامية وظهور الشبكات، كما يدل
على ذلك عنوان مؤلفه الأساسي في هذا الصدد
.Challenging
codes. Collective action in the information age
ورغم قصر حياته
نسبيا (توفي في سن الثمانية والخمسين بسبب مرض عضال)، فقد كان له تأثير بالغ في
حقل الدراسات المهتمة بالحركات الاجتماعية في أوروبا والولايات المتحدة واليابان،
حيث ترجمت كتبه إلى أهم اللغات، وتم الاعتماد على جهازه المفاهيمي لدراسة الحركات الاجتماعية
في ثوبها الجديد، سواء تعلق الأمر بالحركات المناهضة للعولمة التي تأخذ شكل التشبث
بالهوية الثقافية والعرقية، أو أشكال الاحتجاج المختلفة التي تعرفها المجتمعات
الغربية منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي: حركات الشباب، الحركة النسوية، حركات
الدفاع عن البيئة وحركات الوعي الجديد. وقد عمل “ميلوشي” على دراسة هذه الحركات من
خلال أبحاث ميدانية أنجزها في جامعة “ميلانو” مع فريق يضم عشرة باحثين، وتم نشر
نتائجها في مؤلف يحمل عنوان”مجال الحركات الاجتماعية الحضرية: أنساق تعبيرية
جديدة” (1984). هذه الدراسة تشكل القاعدة التجريبية التي بنى عليها “ميلوشي”
مقاربته النظرية للحركات الاجتماعية التي كان لها إشعاع خاص في الأوساط الأكاديمية
والعلمية والتي يمكن للقارئ التأكد من قيمتها من خلال النصوص اللاحقة التي نشرها
“ميلوشي” مثل “الرحّل في الحاضر. الحركات الاجتماعية والحاجيات الفردية في المجتمع
المعاصر” أو المؤلف السابق الذكر”الفعل الجماعي في عصر الإعلام: نظم تعبيرية
جديدة”.
ينتمي ألبرتو
ميلوشي إلى عائلة عمالية، حيث كان أبوه يشتغل في السكك الحديدية. وقد جاء إلى
السوسيولوجيا من الفلسفة التي حصل فيها على إجازة في جامعة ميلانو. لكن اهتمامه
بالأوضاع الاجتماعية في إيطاليا، والتي كانت تعرف غليانا اجتماعيا كبيرا في الستينيات،
بفعل تأثير الحزب الشيوعي دفعه إلى تغيير مساره المعرفي لفهم ما يحدث. ثم
غادر بلاده إلى فرنسا سنة 1970 قصد إنجاز أطروحة في علم الاجتماع تحت إشراف الان
تورين Alain
Touraine تماما كما فعل
“كاستلز” من قبله. وقد كان ل”تورين” تأثير بالغ على تطور فكره في ثلاث اتجاهات
شكلت لاحقا اهتماماته الأساسية:صياغة نظرية اجتماعية، الاعتماد على ابستيمولوجيا
دقيقة وصارمة، وتوجيه البحث حسب حاجيات الفعل الاجتماعي. لقد اقتنع “ميلوشي” منذ
لقائه ب”تورين” في المعهد العالي للدراسات الاجتماعية بباريس أن العالم يسير في
اتجاه ظهور مجتمع جديد، وأن الحركات الاجتماعية تلعب دورا أساسيا في هذا التحول،
وأنه يتعين على الباحثين صياغة أدوات تحليلية جديدة لفهم ما يجري.
إن
الحركات الاجتماعية، هي بمثابة تعبير عن حركية المجتمع وتعكس رغبته في التغيير.
ومن نتائج هذه الحركية حدوث صراعات نسقية، لأن المجتمع هو في حد ذاته نسق فعلي،
يعيد إنتاج نفسه ويتحول باستمرار. وفي هذا السياق يتعين حسب “ميلوشي” دراسة
الحركات الاجتماعية من خلال الصراعات التي يكون المجتمع مسرحا لها، مع العلم أن
المجتمع نفسه يشكل نسقا. إن الصراع الاجتماعي هو النقطة التي يلتقي فيها النظام الاجتماعي
والفاعلون الاجتماعيون.
كل
مجتمع يعرف صراعات، وهذه الصراعات تدور حول قضايا ومشاكل يصعب إيجاد حلول لها،
ويحدث بسببها انقسام داخل المجتمع. وقد استعمل “ميلوشي” مصطلح dilemne لنعت هذه المشاكل، أي
خيار صعب يشكل معضلة بالنسبة إلى الفرقاء الاجتماعيين. هذه المشاكل المستعصية على
الحل هي التي تولد صراعات وتعارضات قائمة ومستمرة وتميز مجتمعا عن غيره. ما يميز
أشكال الصراع حسب “ميلوشي” هو غياب الارتباط الواضح بينها وبين البنية الاجتماعية التي
أفرزتها، بحيث لا نستطيع استنباطها من النسق الاجتماعي في حد ذاته. إن الحركات الاجتماعية
والفعل الواعي المنظم هو الذي يبرز بوضوح هذه المشاكل المستعصية ويمكننا من ربطها
بالنظام الاجتماعي. إن الصراعات النسقيةconflits systémiques
تتجلى وتعبر عن نفسها في الفعل الجماعي والفعل الاحتجاجي الذي
تمارسه الحركات الاجتماعية.
من جهة
أخرى لا يمكن الحديث مسبقا عن الفاعلين الاجتماعيين الذين ينشطون في الحركات الاجتماعية.
هؤلاء يبرزون من خلال الفعل نفسه، وهم إفراز للحركة الاجتماعية ينتجونها وتنتجهم، ويتفاجأون
هم أنفسهم بما يقومون به (كما عبر عن ذلك العديد من الناشطين في ميدان التحرير
خلال الثورة المصرية) “ميلوشي” يختلف هنا مع الطرح التقليدي الذي كان يعطي ماهية
خاصة وسابقة للفاعلين الاجتماعيين باعتبارهم أدوات تحرك التاريخ (كما هو الحال في
الطرح الماركسي التقليدي) وهو أقرب من فلسفة حنة أرندت Hannah Arendt دون أن يشير إلى ذلك
(الفيلسوفة الألمانية تعتبر أن الفعل هو الذي ينتج الفاعل). إن الصراع هو الذي
يفرز الشرائح المحركة للتاريخ من خلال مشاركتها الفعالة في الحركة الاجتماعية
التي تتوخى التغيير. وفي هذا السياق ليس من الممكن حسب “ميلوشي” تعريف الفاعلين من
خلال أوصاف بنيوية أو ثقافية. إن الحركة الاجتماعية هي فعل إرادي منظم تتكون من
خلاله هوية اجتماعية. الفاعل الاجتماعي هو “النحن” الذي تظهر خلال الصراع. وكل
حركة اجتماعية هي نسق لفعل متعدد الأقطاب، حيث إنها هوية متحركة.
*محمد الدهان من أبرز
السوسيولوجيين المغاربة، توفي سنة 2013، وقد كان قيد حياته أستاذا في
جامعة محمد الخامس، حيث كان يدرس سوسيولوجيا الإعلام
والانثروبولوجيا، كما كان إلى جانب ذلك ناقدا سينمائيا
المصدر: مدونة الأستاذ الدهان
https://dahanarabland.wordpress.com/2011/10/


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق