بحث

الثلاثاء، 26 مايو 2020

الانتشار الحضري نموذج إرنست بورغس

الانتشار الحضري نموذج إرنست بورغس

محد الدهان*


يعتبر النموذج النظري  الذي صاغه الباحث إرنست بورغس  Ernst Burguess لتفسير النمو والتمايز الحضري من أشهر المقاربات في علم الاجتماع الحضري. هذا النموذج الذي يعرف بالتوسع الدائريconcentric zone model أو نظرية الغزو المتعاقبprocess of invasion- succession  هو محاولة لدراسة انتشار الأنشطة الحضرية انطلاقا من مركزها في اتجاه الضواحي.    ينتمي إرنست بورغس  إلى الجيل الوسط لعلماء الاجتماع المنتمين لمدرسة شيكاغو التي عين فيها أستاذا مشاركا بعد حصوله على الدكتوراه في علم الاجتماع. وقد كان موضوع رسالته هو وظيفة التنشئة الاجتماعية في التطور الاجتماعي. وقد عمل  مع أستاذه “بارك” الذي كان يقاسمه نفس المكتب في الجامعة، وأنجزا معا مؤلفهما المشهور مدخل إلى علم السوسيولوجيا   Introduction to Science of the Sociology  سنة 1921. وقد لعب Burguess دورا رائدا في تأطير البحث الجامعي، وتكوين جيل جديد من الباحثين،  الذين ساعدهم على ولوج مراكز البحث والحصول على الاعتمادات الضرورية لتمويل مشاريعهم، والإطلاع على الوثاق والإحصائيات المتوفرة عند الإدارة، والمؤسسات المعنية بمواضيع الأبحاث التي كان يجريها الطلبة الباحثون مثل الدراسة  التي قام بها Nels Anderson  حول العمال المهاجرين.

      على المستوى المنهجي يرجع الفضل إلى  Burguess  في خلق تقليد ميداني يجبر الباحثين على استعمال معطيات كمية دقيقة، قابلة للمعالجة الإحصائية والتوضيح الخرائطي. ذلك أن استعمال الخرائط، وخصوصا في الدراسات الحضرية، واستعمال قواعد إحصائية بسيطة كالنسب والمعدلات، من شأنهما أن يساعدا الباحث على ربط الظواهر وإبراز العلاقات بين المتغيرات في مواضيع مختلفة، كالجريمة وانحراف الأحداث والانتحار والطلاق، وتوزيع هذه الظواهر في المجال الحضري.

   لقد أنجز Burguess      أبحاثا حول ثلاث مواضيع أساسية: النمو الحضري، موضوع الزواج والطلاق، وتأثير العزلة على المسنين.

    فيما يخص الموضوع الثاني اهتم “بارجس” بدراسة الشروط التي تؤثر في الزواج، مبرزا أهمية العوامل الاجتماعية والأصول التي تحدد سلوك الزوجين، وضرورة التكيف مع الآخر لضمان استمرارية ونجاح العلاقة الزوجية. وقد نشر في هذا الموضوع نتائج بحث أنجزه حول الموضوع مع Leonard Cottrell  سنة 1939  تحت عنوانPredicting succss or Failure in Marriage .وقد تم انتقاد نتائج هذه الدراسة لأن الباحثين لم يأخذا بعين الاعتبار الجوانب العاطفية، مع العلم أنها تلعب دورا أساسيا في استمرارية الزواج.

  فيما يخص موضوع المسنين، فقد أشرف Burguess  على دراسة  تهم شريحة المسنين لمعرفة ظروف عيشهم وتأثير العزلة على حياتهم. وقد كان الهدف من هذه الدراسة، تجميع معطيات لضمان نجاح البرامج التي تعدها الدولة لصالح هذه الشريحة من السكان. وقد نشرت نتائج هذا البحث في مؤلف يحمل عنوان Aging in western societies  سنة 1969.

   النمو الحضري 

حاول Burguess  أن يدرس المدينة في شموليتها ، مبينا تكامل  المجالات والمناطق المختلفة  التي تتشكل منها. واستعمل في هذا السياق النموذج التفسيري التوضيحي المعروف بconcentric zone model  أو نموذج المجالات الدائرية. هذا النموذج يتوخى شرح نمو المدينة بشكل عام بالاعتماد على مثال مدينة شيكاغو. إن المدينة تنمو بفعل الضغط المستمر للسكان. هذا الضغط ينتج تركز الساكنة في المدينة ويدفع بالأنشطة التجارية والصناعية خارج المركز. إن صيرورة الانتشار الحضري، تتم وفق سلسلة من الدوائر المتركزة تحت تأثير ضغط يأخذ شكل غزو متعاقبprocess of invasion-succession  . في حالة مدينة شيكاغو يتجلي هذا التطور في خمس دوائر متركزة كما هو الحال في  الشكل التالي:

-الدائرة الأولى تضم المنطقة المركزية loop  حيث تتركز الأنشطة التجارية  وتوجد محطة القطار  والأنشطة الصناعية المرتبطة بالسكك الحديدية.

-الدائرة الثانية تتشكل من الحياء ذات المباني الهشة والبنايات القديمة يقطنها بشكل مؤقت السكان النازحون من البوادي والمهاجرون، وهي منطقة انتقالية.

-الدائرة الثالثة تضم أحياء يقطنها العمال المؤهلون، والشغيلة، والموظفون، والمهاجرون الذين نجحوا في الاندماج في المجتمع الأميركي.

-الدائرة الرابعة، تتواجد بها الأحياء السكنية الراقية الخاصة بالأمريكيين.

-الدائرة الخامسة وتضم الضواحي القريبة من المدينة الكبرى، ويسكنها كل من اختار الإقامة خارج المدينة، بسبب أزمة السكن، وغالبا  ما يزاول هؤلاء الأشخاص  مهامهم في المدينة التي يغادرونها في نهاية اليوم.

هذا النموذج هو في آن واحد نموذج اجتماعي ومجالي، يربط التطور الحضري بجوانبه الاقتصادية والاجتماعية. وقد كان له تأثير بالغ في الولايات المتحدة وخارجها حيث مكن من فهم الصيرورة التي تتحكم في الانتشار الحضري. وقد بين الباحثون نجاعته في دراستهم للمدن الكبرى في الدول الصناعية. الباحث الفرنسي Chombard De Lauwe  اعتمد عليه مع بعض التصحيحات في دراسته حول باريس والضواحي. لكن هذا النموذج غير صالح لفهم نمو وتطور المدن الكبرى في الجنوب التي ارتبط تطورها بعوامل داخلية وخارجية،مثل  التخلف والهيمنة وحدوث الثورة الديموغرافية قبل التصنيع، واستفحال الفوارق الاجتماعية في ظل العولمة المتوحشة ولنا عودة للموضوع.

 

*محمد الدهان من أبرز السوسيولوجيين المغاربة، توفي سنة 2013، وقد كان قيد حياته  أستاذا في جامعة محمد الخامس، حيث كان يدرس سوسيولوجيا الإعلام والانثروبولوجيا،  كما كان إلى جانب ذلك ناقدا سينمائيا

 

المصدر: مدونة الأستاذ الدهان

https://dahanarabland.wordpress.com/2011/10/

 


مدخل إلى السوسيولوجيا الحضرية

مدخل إلى السوسيولوجيا الحضرية

محد الدهان*


نزولا عند رغبة العديد من القراء، وبالخصوص طلبة علم الإجتماع ،الجدد والقدامى، سأتابع نشر مقالات حول مواضيع تهم السوسيولوجيا بمختلف تخصصاتها. وبعد سلسلة المقالات التي خصصتها لموضوع الحركات الإجتماعية ، سأحاول ابتداء  من هذا المقال التذكير بالمحطات الأساسية لتطور علم الإجتماع الحضري.

  مدرسة شيكاغو

ليس من الغريب  أن يقترن ظهور السوسيولوجيا في الولايات المتحدة، بالتحولات العميقة التي عرفتها البنية الحضرية نتيجة تسارع وتيرة التصنيع، والهجرة الأوروبية  المكثفة، في اتجاه المدن الأميريكية، منذ مطلع القرن التاسع عشر. وقبل ذلك، ظهر علم الاجتماع في أوروبا، نتيجة الثورات التي عرفها العالم القديم، بعد انتقال المجتمع من نمط الإنتاج الإقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي، وما صاحب ذلك من تغييرات ما كان من الممكن فهمها دون مقاربة جديدة، يتم فيها توظيف مفاهيم ومناهج  ملائمة لفهم التحولات الجديدة والمتسرعة. بنت السوسيولوجيا الحراك الاجتماعي، وليس من الغريب أن تظهر في شكلها الحضري في الولايات المتحدة مع نهاية القرن التاسع عشر. وقد قال في هذا الصدد الباحث Everett C .Hugues (1897-1983) “لقد كانت السوسيولوجيا حركة اجتماعية قبل أن تتحول إلى تخصص جامعي”.

إن توافد مهاجرين جدد من مختلف الجنسيات، يتحدثون لغات مختلفة، وينتمون لثقافات متعددة وأحيانا متباينة، قد عمق من الاختلالات التي بدأت تعيشها المدن الأميريكية في تلك الفترة، والتي كانت  تشبه إلى حد كبير ما تعرفه اليوم مدن الجنوب: ارتفاع جيوب الفقر وتنامي البناء العشوائي، وانحراف الأحداث وظهور والجريمة المنظمة، تنامي العنف الحضري بكل أشكاله، وارتفاع نسبة المهمشين وتعاطي البغاء والإدمان على المخدرات، انتشار الأمراض العقلية والأوبئة في الأحياء المهمشة…بالإضافة إلى ذلك تولدت صراعات عرقية بين المهاجرين الجدد والقدامى، وارتفعت حدة الميز العنصري ضد الزنوج الوافدين من جنوب الولايات المتحدة. ولا غرابة إذن أن ينكب علماء الاجتماع على دراسة هذه المواضيع بالضبط مع التركيز على بعدها الحضري.

والجدير بالذكر أن السوسيولوجيا الأميريكية في هذه المرحلة، ارتبطت بالحركات الاجتماعية المتنامية، والحركات الإصلاحية التي كانت تضم بعض العناصر  من النخبة الاقتصادية، والطبقات المتوسطة والمثقفين، وبوجه خاص أساتذة علم الاجتماع. وليس من الغريب أن تكون أول شعبة في علم الاجتماع في جامعة شيكاغو الحديثة العهد  (1892 ) تضم أساسا باحثين متخصصين في السوسيولوجيا…

لقد مثلت مدينة شيكاغو مختبرا حقيقيا  بالنسبة إلى علماء الاجتماع ما بين 1900  و1930، حيث استأنس جلهم بخصوصيات البحث الميداني، وجربوا أدواتهم ومناهجهم العلمية، من خلال المحاولة والخطأ في بداية الأمر قبل التوصل إلى نتائج أكثر دقة من خلال استعمال المناهج الكمية والكيفية، كالمقابلة والاستمارة والتحليل الإحصائي، وإنجاز خرائط لربط توزيع الظواهر المدروسة بالمجال الحضري. وقد استطاع الباحثون الأوائل تحقيق تراكم معرفي في زمن قصير نسبيا كما يشهد على ذلك عدد الأبحاث والأطروحات والمقالات العلمية التي نشرها أقطاب هذه المدرسة إلى حدود 1930.

لا يسعنا في هذا المقال، أن نقف على كل القضايا والمواضيع التي درسها أقطاب هذه المدرسة، والإشكاليات العلمية التي تطرحها مقاربتهم للظاهرة الحضرية. لهذا سنحاول فقط، التعريف ببعض الباحثين وأعمالهم، تعميما للفائدة مع إحالة القارئ إلى النصوص التي يتوجب الرجوع إليها.

المؤسسون:

وليام إزاك توماس William Isaac Thomas ( (1863-1947

يعد وليان إزاك توماس من الجيل الأول من الباحثين، المنتمين إلى مدرسة شيكاغو، حيث التحق بالجامعة كأستاذ مساعد منذ سنة 1897 ، ثم أستاذا مشاركا في سنة 1900 وأستاذا من 1910 إلى 1918..وقد جاء إلى السوسيولوجيا عن طريق الفلسفة وعلم النفس الاجتماعي، حيث سبق أن درس هذه المواد في جامعة برلين وتأثر بالمناخ الفكري السائد آنذاك في الجامعة الألمانية مثله مثل Ezra Park  الذي ينتمي أيضا لجيل المؤسسين.  وقد تأثر خلال سنوات تكوينه بمؤلف Herbert Spencer “مبادئ في علم الاجتماع” الذي قرأه حين كان طالبا وحدد توجهاته المعرفية لاحقا. وتظهر النزعة النفسية الاجتماعية في أعماله الأولى التي تناول فيها قضايا تهم النوع والاختلافات الجنسية، ومدى تأثيرها في السلوك، مثل أطروحته لنيل الدكتوراه التي تحمل عنوان  Difference in the metabolism of the sexes(1896) ومؤلفه الأساسي الجنس والمجتمع (1907).

ولعل هذا التوجه النفسي الاجتماعي، هو الذي سيدفعه لاحقا لاستعمال المنهجية المعتمدة على السيرة الذاتية، وقراءة الوثائق والمراسلات الشخصية، كوسيلة لاستخراج المعلومة والحصول على معطيات أساسية وموثوقة. وقد استعمل هذه المنهجية بنجاح في البجث الواسع الذي أشرف على إنجازه حول المهاجرين ذوي الأصول البولندية بمساعدة فلوريان زانانيكي  Florian Witold Znaniecki والذي نشره تحت عنوان  “الفلاح البولندي”. ويعتبر هذا البحث الذي قامت بتمويله مؤسسة خاصة   Helen Culver Fund أول بحث ميداني جدي في السوسيولوجيا الأميريكية. يمكن إجمال المنهجية المستعملة في هذا البحث في العناصر التالية:

1-الوقوف على الطريقة التي يتم من خلالها إدراك الأفراد للأوضاع التي يتواجدون فيها، وكيف يفهمون هذه الأوضاع. وقد صاغ W. Thomas   في هذا السياق المبدأ السوسيولوجي المشهور: إن كل وضعية يعتبرها الفرد موجودة تكون موجودة فعلا في امتداداتها. بعبارة أخرى إن تصوراتنا حول الواقع تؤثر في سلوكنا وطريقتنا في البحث عن حلول للمشاكل التي نواجهها حتى لو كان إدراكنا خاطئا للأوضاع التي نعيشها.

2- الباحث السوسيولوجي يحتاج في نفس الوقت لدراسة الوقائع الاجتماعية، والقيم والقواعد الخارجة عن الأفراد بالمعنى الدوركايمي، ويدرس في نفس الوقت السلوك الشخصي المقابل لهذه القيم، والقواعد والوقائع الاجتماعية.

3- استعمال التقنيات الكيفية في البحث السوسيولوجي المعتمدة على تقنية المقابلة المعمقة، ودراسة السيرة الذاتية،  من خلال السرد البيوغرافي، وقراءة المراسلات، ودراسة الوثائق الإدارية، واعتماد الإحصائيات الاجتماعية، مع التركيز على حالات خاصة عوض الاهتماع ببنيات عامة ومجردة.

  وقد طبق الباحث بنجاح هذه المنهجية، في دراسة عدد من المواضيع من بينها وضعية المرأة والعلاقة بين الجماعات العرقية، وموضوع الجريمة وظاهرة الفوضى الاجتماعية.

والجدير بالذكر أن W.Thomas  سبق أن أشرف على إدارة المجلة المشهورةAmerican Journal of Sociology  كما تم تعيينه سنة 1927 رئيسا شرفيا للجمعية الأميريكية لعلم الاجتماع.

*محمد الدهان من أبرز السوسيولوجيين المغاربة، توفي سنة 2013، وقد كان قيد حياته  أستاذا في جامعة محمد الخامس، حيث كان يدرس سوسيولوجيا الإعلام والانثروبولوجيا،  كما كان إلى جانب ذلك ناقدا سينمائيا

 

المصدر: مدونة الأستاذ الدهان

https://dahanarabland.wordpress.com/2011/10/

 


الاثنين، 25 مايو 2020

سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية

سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية

 

محمد الدهان*



تكاد تكون سوسيولوجيا الثورات، غائبة من المقررات الجامعية والبحث العلمي في الوطن العربي، علما أنها موضوع الساعة، فكم من باحث تنبأ بما يحدث اليوم (ولو من باب إسداء النصيحة للحكام وإثارة الانتباه للمخاطر المحدقة بهم) في بلاد دخلت منطقة الأعاصير بعد سبات عميق، اعتبره البعض خاصية طبيعية للمجتمعات العربية التي تم ترويضها من طرف الإستعمار والإستبداد الشرقي.  كان الباحث “كلود ليفي ستروس ” يميز في هذا الصدد، بين المجتمعات الباردة  sociétés froidesالتي تقاوم التغيير وتكتفي بإعادة إنتاج بنياتها المهترئة في إطار نظام تقليدي محافظ، ومجتمعات “ساخنة” sociétés chaudes تتميز بالحيوية والبحث عن ما هو جديد والتعبئة المستمرة لتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية، ومقاومة التسلط والاستبداد. والمفارقة أن المجتمعات العربية يتم وضعها في خانة “المجتمعات الباردة” نظرا لهيمنة النسق التقليدي على مكوناتها السياسية والثقافية بالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة. إنها تعيد إنتاج نفس الأنماط السلوكية وتحارب كل ما هو جديد بدعوى المحافضة على الهوية الثقافية، والدفاع عن المقدسات، سواء كانت دينية أو سياسية. هذه الصورة التي رسمها المستشرقون والأنثروبولوجيون عن المجتمعات العربية كانت تبدو أقرب إلى الحقيقة قبل مطلع هذه السنة.

كان العالم العربي، يبدو مثل مستنقع آسن، تنبعث منه رائحة الأنظمة الرجعية والفساد الاجتماعي بكل أشكاله، في غياب الجماهير التي كانت تبدو منشغلة فقط بالبحث عن لقمة العيش، غارقة في همومها، وغير مرتبطة  بالوعي الجماعي بالمعنى الدوركايمي. كيف تحول المجتمع العربي في ظرف وجيز، من جسد شبه ميت، إلى كيان تدب فيه الحياة من جديد، وتبلغ درجة حرارته ما يكفي لخلع رئيسين في فترة قياسية (شهر ونصف).

 لا يتوفر عالم الاجتماع، على منهجية علمية لدراسة الثورات، وليس بوسعه أن يضمن الموضوعية والحياد لفهم ما يحدث. إنه يستطيع في أحسن الأحوال أن يدرس الظاهرة الثورية بعد حدوثها، وهو يختلف في مقاربته عن المؤرخ الذي غالبا ما يكتفي بسرد تسلسل الأحداث وتعاقبها، بينما يحاول الباحث السوسيولوجي أن يبرز بنية الثورات ويضع تصنيفا لها (ثورة عنيفة، ثورة بيضاء، ثورة فاشلة، ثورة ناجحة، ثورة شعبية،ثورة عسكرية…). هذه المقاربة وإن كان لها ما يبررها من الناحية الأكاديمية (العلم من أجل العلم، وربما تجنب الأخطاء في المستقبل) إلا أنها بدون جدوى لكونها تأتي بعد العاصفة ولا تنقذ أحدا.

   هناك مقاربة أخرى للظاهرة الثورية من زاوية علم الاجتماع، وهي معايشة الأحداث خلال وقوعها واستعمال منهج الملاحظة المشاركة، والانصهار في الفعل الثوري. في هذه الحالة، يكون هناك تطابق بين الذات العارفة، وموضوع المعرفة، ويتحول السوسيولوجي إلى فاعل، والمعرفة الاجتماعية إلى سلاح، ولا يكتفي الباحث بتأويل الواقع  بل يتوخى تحويله. إن الهدف من المعرفة السوسيولوجية هو نفوذ الوعي إلى عمق الأشياء وتوسيع دائرة المعلوم على حساب مناطق الظل بغية التأثير في مجريات الأمور. مع ذلك ليس بوسع عالم الاجتماع أن يتنبأ بالمستقبل لأن التاريخ البشري يتضمن دائما عنصر المفاجأة والجدة كما يحدث اليوم في العالم العربي.

   إن سوسيولوجية الثورات، جزء من نظرية عامة حول التغير الاجتماعي، لها علاقة مباشرة بموضوع الحركات الاجتماعية. هناك مقاربات متعددة لهذه الظاهرة في السوسيولوجيا المعاصرة، وتعميما للفائدة، سأقدم بعض الأطروحات العلمية المعروفة في هدا الصدد لتزويد القارئ غير المتخصص، ببعض الأدوات المعرفية، ربما تساعده على فهم التطورات المتسارعة التي بدأنا نعيشها مند مطلع العام الحالي.

يعد عالم الاجتماع الان تورين  Touraine Alain، من أهم الباحثين الذين ساهموا في دراسة موضوع الحركات الاجتماعية، من زاوية نظرية، ومن خلال البحث الميداني. وقد قام بعدة أبحاث حول عمال المناجم في الشيلي، والحركات الاجتماعية في أمريكا اللاتينية، واهتم منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي بما أسماه الحركات الاجتماعية الجديدة (الحركات الاحتجاجية الجهوية، الحركات النسوية، الحركة الطلابية…). على المستوى النظري، اقترح الان تورين Alain Touraine نموذجا نظريا لتحليل الفعل الاجتماعي المرتبط بظهور الحركات الاجتماعية، يساعد في آن واحد على إبراز بنية هذه الحركات. الشرط الأول لظهور أي حركة اجتماعية يتعلق بمسألة الهوية. لابد لأي حركة اجتماعية أن تتوفر على مجموعة من المبادئ يسميها الباحث مبادئ الوجود. هذه المبادئ وهي ثلاثة تعطي لأي حركة اجتماعية خصوصيتها وتوجه فعلها.

  مبدأ  الهوية:

 إن أي حركة اجتماعية، مطالبة بتوضيح هويتها وإعلان طبيعة تمثيليتها. من هم الأفراد أو الشرائح الاجتماعية التي تدعي الحركة أنها تمثلهم. يتعلق الأمر هنا بتحديد هوية الجماعة التي تدعي الحركة أنها تمثلها، وذلك بشكل واضح لا يترك المجال لأي لبس. وتختلف هذه التمثيلية حسب طبيعة الحركة، فهناك حركات قطاعية أو تمثل جماعات فرعية (عرقية أو دينية )، أو تمثل طبقة اجتماعية أو نوعية (حركة نسائية…). ويمكن أيضا أن تدعي الحركة أنها تمثل المجتمع بكامله كما حدث في الثورتين التونسية والمصرية، حيث ادعت حركات الشباب أنها تتحدث باسم الشعب المقهور…

مبدأ التعارض:

تفترض كل حركة اجتماعية، وجود خصوم يتعارضون مع أهدافها إما بشكل صريح وعلني، أو من خلال وعود كاذبة، أو من خلال موقف غير مبالي. وفي غياب هؤلاء الخصوم تفقد الحركة الإجتماعية شرعيتها ومبرر وجودها. ثمة تكامل بين الحركة والخصوم. وإذا لم يعد الخصم خصما تتحول الحركة إلى شيء آخر(حزب سياسي أو مؤسسة). ويحدث أن تتغير طبيعة الخصم خلال الصراع الاجتماعي حيث يظهر خصوم آخرون، أو يحاول الخصم أن يهادن (كما فعل بن علي في خطابه الأخير بعد اشتداد ضغط الشارع التونسي).

مبدأ الشمولية:

 تسعى كل حركة اجتماعية، إلى تبرير فعلها وضرورة ما تقوم به، من خلال قيم كونية، فلسفية وأخلاقية وحتى دينية (تحقيق العدل والمساواة، الدفاع عن الكرامة، محاربة الفساد…). وكلما اقتربت شعاراتها من معاناة الأفراد التي تدعي الحديث باسمهم، كلما توسعت قاعدتها وقدرتها على التعبئة. ولنا في الأحداث الأخيرة التي عرفتها كل من تونس ومصر أحسن مثال على هذا المبدأ الشمولي، حيث كانت الشعارات المرفوعة تشير إلى محاربة التسلط والظلم الاجتماعي والدفاع عن الكرامة.

   هذا المبدأ الشمولي هو الذي يميز في نظر “تورين” الحركة الاجتماعية عن الفعل الجماعي، لأن الأولى تتوخى التحكم في “المسيرة التاريخية ونماذج السلوك التي يؤسس المجتمع عليها كل ممارساته”. وفي هذا الصدد اقترح “تورين” منهجية لدراسة الحركات الاجتماعية سماها “التحليل الفعلي” Analyse actionnaliste هدفها تفسير الطريقة التي يتم بموجبها ظهور قيم جديدة، وكيف تعبر هذه القيم عن نفسها وتوجه سلوك المجتمع ككل. وبين “تورين” أن الحركات الاجتماعية هي التي توفر الشروط لظهور قيم جديدة. ولذا يتعين على الباحث الاجتماعي أن يولي أهمية خاصة لدراسة هذه القيم، لأنها تلعب دورا أساسيا في التغير الاجتماعي، وعلى ضوئها يتحدد سلوك الفاعلين الاجتماعيين سواء كانوا من دعاة التغيير أو مناهضين له.

*محمد الدهان من أبرز السوسيولوجيين المغاربة، توفي سنة 2013، وقد كان قيد حياته  أستاذا في جامعة محمد الخامس، حيث كان يدرس سوسيولوجيا الإعلام والانثروبولوجيا،  كما كان إلى جانب ذلك ناقدا سينمائيا

 

المصدر: مدونة الأستاذ الدهان

https://dahanarabland.wordpress.com/2011/10/


الاثنين، 18 مايو 2020

المنهج العلمي عند كارل بوبر

المنهج العلمي عند كارل بوبر

موسى برهومة*

 

شكَّلت الفوضى الفكرية في الفيزياء الجديدة في الربع الأول من القرن العشرين، وإرهاصاتها الفلسفية الوضعية، الخلفية التي نشأت فيها فلسفة كارل بوبِّر(1) في الثلاثينيات.

ويمكن القول، إن فلسفة العلوم المعاصرة متصلة اتصالاً مباشراً بالتغييرات الأفهومية الجذرية، التي أدخلتها نظرية أينشتاين في النسبية، الخاصة والعامة، وميكانيكا القسيمات الكوانتية. وكان لهذه الثورات في التصور الفيزيائي للكون أثر على العلماء أنفسهم، فتحوَّلوا من دون التخلِّي عن ممارساتهم العلمية، إلى فلاسفة ومنظِّري معرفة، علَّهم يمسكون بالأمواج العاتية التي بدأت تحيط بعلمهم منذ أواخر القرن الماضي.

إن بولتزمان، واضع مبادئ الترموديناميكا thermodynamics، وهيرتز، صاحب نظرية ذبذبات الراديو، وأينشتاين نفسه، وغيرهم من كبار فيزيائيي تلك الحقبة، أحسوا بأن الدور المتزايد للرياضيات النظرية في تشكيل الفرضيات والقوانين العلمية يطرح بإلحاح مسألة العلاقة بين المفاهيم المجردة – وهي مادة الفكر العلمي – والظاهرات الطبيعية المحيطة بالإنسان.(2)

وبطبيعة الحال، لم يتأخر الفلاسفة عن اللحاق بالركب الإشكالي، وبادروا إلى وضع تصورات وحلول لتلك المشكلة، آخذين في الاعتبار الوضع الجديد الناشئ عن الدور الأساسي للتجريد الرياضي في الفهم العلمي للطبيعة.

وكان الاتجاه الوضعي، أو ما يُعرَف بالوضعية positivism في نظرية المعرفة، خليطاً هجيناً من العلم والفلسفة. بيْد أن من العلماء والفلاسفة، من رأوا أن الاعتقاد الساذج بوجود علاقة مباشرة بين النظريات العلمية والواقع الطبيعي لا يمكن القبول به من دون مراجعة جدِّية.

لقد أدرك بوبِّر أن الوضعيين بنوا نقدهم للواقعية العلمية على مفهوم ضيِّق للحقيقة، حقيقة الأجسام والحركات والألوان والأصوات المحيطة والمدركة إدراكاً مباشراً بواسطة الحواس.

إلا أنه لم يعمد إلى مواجهة ذلك التصور بتصور مقابل للحقيقة يجعلها قائمة في النظريات الفيزيائية المجردة، بل ذهب إلى القول بعدم قبول إضفاء الحقيقة على أية معرفة، سواء كانت حسية أم نظرية، قائلاً إن كل المعارف البشرية في الظاهرات تقبل الدحضrefutation، لكنها لا تقبل البرهان؛ وإن نمو المعرفة العلمية ليس عملية تراكم متواصل للحقائق بقدر ما هو إزالة مطَّردة للأخطاء. إن عدم إضفاء الصدق على أي من المعلومات، كان الوسيلة التي اعتمدها بوبِّر لإلقاء الشك حول صدقيَّة المعلومات الأكثر شفافية لدى الوضعيين، وهو يسخِّر المنطق الصوري لهذه الغاية، مثلما يسخِّر التطورية الداروينية للهدف ذاته، الذي هو النيل من صفة الإطلاق في صحة الأوصاف الناتجة من الملاحظات العيانية والحسية.(3)

ولكن، ما الذي يميز الخطاب العلمي عند بوبر عن غيره من أشكال وأنماط الخطاب المعرفي التي ينتجها الإنسان؟

للإجابة عن هذا السؤال، لابد من البدء أولاً بموقفه من إشكال الاستقراء، فقد كانت مسألة الاستقراء والإشكالات المنهجية التي طرحها في تاريخ العلم والفلسفة، نقطة انطلاق تفكيره وأرضية تأسيس مشروعه الإبستمولوجي. ففي كتابه الأشهر "منطق الكشف العلمي"، نلاحظ تركيزاً واضحاً على بحث المسألة الاستقرائية، ومناقشة نقد ديفيد هيوم لها. ومن المعلوم أن هيوم انتهى إلى القول بأن الاستقراء لا يقبل التبرير العقلي، فبما أن السببية هي مجرد عادة ذهنية ناتجة عن اقتران، وليس لها أية حقيقة أنطولوجية على مستوى الواقع، فإن المعرفة العلمية التجريبية هي، بسبب ارتكازها على السببية، لا يمكن أن نزعم لها صفة الحقيقة.

هذه الشكيّة الهيوميّة لم يقبلها بوبر، مثلما لم يقبل النزوعات الشكيّة عامة، تلك التي تنتهي إلى موقف شاكّ في وجود العالم ذاته، بل إن بوبر يستهجن حتى ذلك النقاش الذي ساد الفلسفة حول وجود العالم، حيث يؤكد ساخراً من هذا الموقف الشكي على أن النقاشات التي شهدها تاريخ الفكر الفلسفي حول وجود العالم هي "أكبر فضائح الفلسفة"، فمجرد طرح وجود العالم محل استفهام وشك هو ليس بحثاً معرفياً، بل لا يستحق وسماً آخر سوى الفضيحة.

وفي تحديده لـ "مشكلة الأسس الإمبريقية"، يعتقد بوبر بأنه إذا كان مبدأ قابلية التكذيب يمكن أن يطبق كمعيار للتمييز، إذن فسوف يكون متاحاً أن ننظر إلى القضايا الشخصية على أنها تستخدم كمقدمات في تكذيب الاستدلالات. ومن ثم، فمعيارنا يبدو وكأنه تحويل للمشكلة فحسب، لأنه يرتد بنا إلى الوراء من السؤال عن الخاصية الإمبريقية للنظريات إلى السؤال عن الخاصية الإمبريقية للقضايا الشخصية.

ومع ذلك، فإنه في هذه الحالة ُنعتبر أننا قد توصلنا لشيء ما، لأنه في ممارسة البحث العلمي كثيراً ما يحدث أن يكون التمييز ملحاً بصورة مباشرة فيما يتعلق بالأنساق النظرية، بينما في حالة القضايا الشخصية، نجد أن الشك في خاصيتها الإمبريقية نادراً ما ينشأ. إنه من الصحيح أن تحدث أخطاء في الملاحظة تفضي إلى قضايا شخصية كاذبة، لكن العالم نادراً ما تتاح له الفرصة لكي يصف قضية شخصية كقضية لا – إمبريقية أو ميتافيزيقية.(4)

ويحاول بوبر أن يرد على منتقديه، محاولاً الإجابة عن كيفية تبرير القضايا العلمية، إذ يرى بأنه إذا كان مطلبنا أن القضايا العلمية يجب أن تكون موضوعية، إذن فالقضايا التي تنتمي للأساس الإمبريقي للعلم يجب أن تكون موضوعية؛ أي قابلة للاختبار الذاتي المتبادل؛ ومن ثم فقابلية الاختبار على نحو ذاتي تتضمن دائماً قضايا أخرى قابلة للاختبار، يمكن أن تستنبط من القضايا موضع الاختبار. وهكذا، فإنه إذا كانت القضايا الأساسية بدورها قابلة للاختبار الذاتي المتبادل، فلن تكون هناك قضايا نهائية في العلم أو قضايا لا يمكن اختبارها، ومن ثم فلن يرفض أحدها من حيث المبدأ، عن طريق تكذيب بعض النتائج التي يمكن أن تستنبط منها.(5) لذا، يؤكد بوبر أن العالم موجود، وأن المعرفة العلمية هي بالأساس معرفة هذا العالم، لكن بوبر لا يصل إلى القول بأن هذه المعرفة تبلغ إلى معرفة حقيقة الوجود/العالم ذاتها، بل إنه يقترب هنا، كما يقول الفيلسوف الفرنسي جاك بوفريس، من المفهوم الكانطي للمعرفة المحدودة بحدود عالم الظاهر، وعدم بلوغها إلى "الشيء في ذاته". فكما يقول الفيلسوف الإغريقي هيراقليط: "إن الطبيعة تحب الاختفاء"، وهذه الحقيقة المختفية، حسب كانط وبوبر، لا سبيل إلى إظهارها وكشفها تماماً.(6)

في تحديده لمنهج العلم، يرفض صاحب كتاب "عقم المنهج التاريخي" حصره بكونه استقراء، حيث يشير إلى أن المنهج العلمي في حقيقته منهج اكتشاف، والمنطلق في التفكير العلمي ليس الملاحظة، بل الفرضية. والاشتغال المعرفي للعالم هو في جوهره طرح لفرضيات ومحاولة تفنيدها وتخطئتها، للوصول إلى الفرضية التي تقاوم التفنيد والنقض فتصير متبناة، ولكنها تبقى أيضاً محل درس من أجل تفنيدها لبلوغ فرضية أفضل في فهم الواقع.

تلك هي الصيرورة المعرفية والبحثية للعلم والممارسة العلمية، ومن ثم فالنظرية لا تكون علمية إلا إذا كانت قابلة لإنجاز اختبار لتفنيدها؛ بمعنى أن النظرية تكون مقبولة علمياً في لحظة ما بتحقق شرطين فيها، وهما: أنها قابلة للتفنيد، لكن لم تفند بعد. وهذا خلافاً للموقف الإبتسمولوجي التجريبي الاستقرائي، الذي يعد النظرية علمية بسبب كونها متحققة تجريبيًا، حيث إن هذه النزعة الاستقرائية توحي بانغلاق العلم ووثوقيته، ولا تفتح المجال أمام أفق البحث العلمي.

والقول بأن نظرية ما نظرية علمية، لأنه تم إثباتها أو التحقق منها تجريبيًا، قولٌ مختل حسب بوبر، لأن قوانين العلم هي أحكام كلية. وبوصفها كذلك، فإنه يستحيل أن نتأكد منها بواسطة التجربة، لأن التجربة لا تعطينا سوى حالات مفردة، تبقى مهما تعددت وكثرت دون المستوى الكلي، لذا فالتجربة لا تثبت، بل كل ما في إمكانها أن تفعله هو أن تفند وتدحض.(7)

في بداية كتابه "منطق الكشف العلمي"، يستعمل بوبر مثاله الشهير المتصل بطائر البجع. فعندما نقول، إن جميع طيور البجع بيضاء، فهذا قانون كلي مستخلص من ملاحظات، لكن هل رأينا حقاً كل الطيور؟ بالتأكيد لا. فمهما تعددت ملاحظاتنا تبقى ملاحظات لعدد محدود من طيور البجع، لا لكلها. ومن ثمّ فلا معنى للقول إن التجربة تثبت لنا أن كل البجع أبيض اللون، ولا معنى لأن يصطاد العالِم طائر بجع آخر فيقول هذا أيضاً أبيض. وبالتالي، فالحكم الكلي "كل البجع أبيض" مثبت ومتحقق بفعل الملاحظة التجريبية، لا معنى لذلك لأنه ليس ثمة عدد من التجارب بإمكانه أن يثبت نظرية ما، بينما تكفي تجربة واحدة لتفنيدها؛ فلو وجدنا طائر بجع ولو واحداً غيرَ أبيض (أسود مثلاً)، فإن هذه الملاحظة التجريبية الواحدة كافية لدحض النظرية وتفنيدها. ومن ثم، فالنظرية تبقى صالحة ما دامت لم تفند، وليس لأنها متحققة تجريبياً، لأن التجربة هي فعل استقرائي جزئي.

ولدى معاينته مشكلات العلم وأهدافه ومسؤولياته، يتناول بوبر حركة فرنسيس بيكون، منتقداً منهجه في الملاحظة والاستقراء ورؤيته للعلم، وينتقل بعدها الى رؤيته الخاصة للعلم التجريبي مركّزاً على معيار القابلية للتكذيب، أو ما يطلق عليه معيار الاختبار. كما يتناول بوبر المشكلات ودورها في العلم وأهميتها بالنسبة لعلم مناهج البحث أو نظرية المعرفة العلمية، حيث يبين أن ثمة تناقضاً صميماً يواجه نظرية المعرفة، وهو معرفتنا الشاسعة والنافذة والتفصيلية لوقائع لا حصر لها، في مقابل جهلنا غير المحدود للعديد من جزئيات المعرفة.(8)

وما يميز المنهج التجريبي- ويجب التشديد على ذلك- هو طريقته في تعريضه للتكذيب بكل طريقة يمكن تصورها للنسق موضع الاختبار؛ أي في انتقاء الأنسب، بتعريضها كلها لأعنف نضال للبقاء. وهذا الابتهال الخطابي للاصطفاء الخاص والمجاز التطوري للنهج، هو على الأغلب الوصف الأهم لمجمل مشروع بوبر، فاقتراحه يقوم على اللاتناظرية بين قابلية التحقق وقابلية التكذيب التي تنتج عن الصورة المنطقية للمقولات الكلية، "كل س هو ع"، الذي لا يمكن استقاؤه من مقولات شاذة، ولكن يمكن نقضه بواسطة مقولات شاذة.(9)

ويستعمل كانط كلمة "ذاتي" أو "شخصي" للدلالة على مشاعرنا أو قناعتنا بدرجات مختلفة، ولهذا يؤكد بوبر على أن النظريات العلمية لا يمكن أن تكون أبداً قابلة للتبرير أو التحقق، ولكنها مع هذا قابلة للاختبار. "لذا سأقول إن موضوعية المقولات العلمية متضمنة في حقيقة أنه يمكن أن تُختبر من قبل أشخاص عديدين".(10)

وفي ضوء ذلك، يمكن لنا، في حال رغبنا، أن نميز بين أربعة خطوط، يمكن على أساسها فحص النظرية theory.

أولاً: هناك المقارنة المنطقية بين استنتاجاتها، والتي يمكن بها اختبار مدى الاتساق الداخلي للنظام وثباته.

ثانياً: هناك التحقيق في الشكل المنطقي للنظرية، بهدف تحديد ما إذا كانت هذه النظرية تحمل سمات النظرية الإمبريقية (التجريبية) أو النظرية العلمية، أو ما إذا كانت، على سبيل المثال، توتولوجية (تكرار للمعنى فائض عن الحاجة).

وهناك ثالثاً، مقارنة النظرية مع النظريات الأخرى، والتي تهدف بشكل أساسي إلى تقرير ما إذا كانت النظرية يمكن أن تشكل تقدماً علمياً في حال اجتازت اختباراتنا المختلفة.

وأخيراً، هناك اختبار النظرية بواسطة التطبيقات الإمبريقية للاستنتاجات التي يمكن اشتقاقها منها.(11)

وقبل النظر في هذه الفئات الأربع، يتعين بيان ما يعنيه بوبر، بشكل عام، بالنظرية.

بالنسبة لبوبر، تتكون النظرية من مجموعة من العبارات statements، بعضها تعتمد على عبارات أخرى، وبعضها مستقلة عن أية عبارات. ويمكن تصنيف هذه العبارات وفق مستويات levels؛ إذ تكون عبارة ما في مستوى أدنى، إذا ما كان من الممكن اشتقاقها من عبارات في مستوى أعلى. سوف نسمي عبارات المستوى الأدنى، والتي تعتمد على، أو يمكن اشتقاقها من عبارات المستوى الأعلى "تابعة" dependent. ولعبارات المستوى الأعلى خصيصة الفرضية hypothesis، من حيث علاقتها بالعبارات المستقلة في المستوى الأدنى. أما العبارات التي تكون في المستوى الأدنى، فهي تدعى "العبارات الأساسية" basic statements، والتي تستجيب لحقائق محددة مفردة (بما فيها "الشروط البدئية" initial conditions) أو المحمولات predications.

العبارات في المستوى الأعلى "العبارات الكونية" universal statements، فإن علاقتها بالعبارات الأخرى تشبه كثيراً الطريقة التي تتصل بها البديهيات axioms بالنظريات في علم الهندسة. ويقال إن العبارات في المستوى الأعلى "تفسر" عبارات المستوى الأدنى التابعة.

لدينا نوعان مختلفان من العبارات، واللذان يشكل كلاهما مكونات ضرورية لاستكمال التفسير المقبول، وهما (1) العبارات الكونية؛ أي الفرضيات حول شخصية القوانين الطبيعية، و(2) العبارات المفردة singular statements التي تنطبق على الحادثة المعنية بعينها، والتي سوف ندعوها "الشروط البدئية". إنها العبارات الكونية في ارتباط مع الشروط البدئية هي المكان، حيث يمكن لنا أن نشتق deduce عبارة مفردة بالاستدلال، ... أي محمول محدد مفرد.

أما الشروط البدئية، فتصف ما يدعى عادة "السبب" cause في الحادثة المعنية، بينما المحمول يصف ما يدعى عادة "النتيجة" effect.(12)

ويمكن القول، إن النظام النظري بمقدوره أن يصبح حقيقة داعمة لذاتها إذا ما كانت مجموعة من العبارات؛ أي البديهيات، التي تمت صياغتها، حيث تفي بالمتطلبات الأربعة التالية:

)أ( ينبغي أن يكون نظام البديهيات خالياً من التناقض (سواء كان التناقض الداخلي أو التناقض المتبادل). ويناظر ذلك مطلب ألا تكون أية عبارة مختارة عشوائياً قابلة للاشتقاق منها.

)بيجب أن يكون النظام مستقلاً؛ بمعنى أنه لا ينبغي أن يضم أية بديهية قابلة للاشتقاق من البديهيات الأخرى. (وبكلمات أخرى، يمكن للعبارة أن تعتبر بديهية فقط إذا كانت غير قابلة للاشتقاق منها ضمن سياق بقية النظام). هذان الشرطان يعنيان نظام البديهيات على هذا النحو، فيما يتعلق بالعلاقة بين نظام البديهيات ومجمل النظرية.

)جـ( ينبغي للبديهيات أن تكون كافية لاشتقاق العبارات كافة، التي تنتمي إلى النظرية التي ينبغي جعلها داعمة لذاتها.

)د(  يتعين على البديهيات أن تكون ضرورية للغاية نفسهان، وهو ما يعني أنها ينبغي أن لا تنطوي على افتراضات فائضة عن الحاجة.

إن للتحقيقات من هذا النوع أثراً بالغاً على مشكلة إمكانية الخطأ. إنها تجعل من الواضح، لماذا يمكن ألا يؤثر تكذيب عبارة مشتقة منطقية على كامل النظام، وإنما على جزء منه فحسب، والتي ربما يمكن اعتبارها في هذه الحالة خاطئة.(13)

* كاتب وإعلامي أردني. حاصل على دكتوراه في الفلسفة

الهوامش:

(1)كارل ريموند بوبر (28 -7-1902 في فينا17 -9-1994 في لندن)، فيلسوف إنكليزي نمساوي المولد، يهودي الديانة "ولد يهودياً لكنه تحول إلى المسيحية"، متخصص في فلسفة العلوم، وعمل مدرساً في معهد لندن للاقتصاد. يعد بوبر أحد أهم وأغزر المؤلفين في فلسفة العلم في القرن العشرين. كما كتب بشكل موسع عن الفلسفة الاجتماعية والسياسية، وأهم سمة تميز أعمال بوبر الفلسفية هي البحث عن معيار صادق للعقلانية العلمية.

درس الرياضيات، التاريخ، علم النفس، الفيزياء، الموسيقى، الفلسفة وعلوم التربية. حصل عام 1928 على درجة الدكتوراه في مجال مناهج علم النفس الإدراكي.

في1930، كتب أول أعماله، والذي نُشر في صورة مختصرة بعنوان "منطق البحث1934، وفي طبعة كاملة عام 1979 بعنوانالمشكلتان الرئيستان في النظرية المعرفية". 1937 هاجر إلى نيوزيلندا، حيث قام بالتدريس في عدة جامعات هناك، وألف كتاب "المجتمع المفتوح وأعداؤه" 1945، والذي اكتسب من خلاله شهرة عالمية ككاتب سياسي. ومن كتبه ذائعة الصيت أيضاً "عقم المنهج التاريخي" الذي نقد فيه الماركسية وفكك خطابها وأطروحاتها الأيديولوجية.

في 1949 ـ 1969 عمل بوبر أستاذاً للمنطق والمناهج العلمية بجامعة لندن. وحصل في عام 1965 على لقب "سير".

(2)أسامة عرابي، موقع معابر الإلكتروني 2009.

(3)المرجع السابق.

(4)كارل بوبر، منطق الكشف العلمي، ترجمة وتحقيق: ماهر عبد القادر محمد علي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1997، ص79

(5)المرجع السابق، ص 83

(6)الطيب بوعزة، جريدة العرب القطرية - العدد 7482، 2008/12/6.

(7)المرجع السابق.

(8)كارل بوبر، أسطورة الإطار: في الدفاع عن العلم والعقلانية، ترجمة يمنى طريف الخولي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، شهر إبريل/مايو 2003

(9)باتريك هيلي، صور المعرفة: مقدمة لفلسفة العلم المعاصرة، ترجمة د.نور الين شيخ عبيد،المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2008، ص147

(10)المرجع السابق، ص 148

(11) popper, Karl R. The Logic of Scientific Discovery. New York: Harper and Row. (1968) pp. 32-33

(12)المرجع السابق، ص 60

(13)المرجع السابق، ص 70-72

المصدر: موقع مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث