بحث
الجمعة، 21 أغسطس 2020
الأحد، 14 يونيو 2020
الهوية المتحركة مقاربة الباحث الايطالي “ألبرطو ميلوشي” للحركات الاجتماعية
الهوية المتحركة
مقاربة الباحث الايطالي “ألبرطو ميلوشي”
للحركات الاجتماعية
محد الدهان*
يعتبر عالم الاجتماع الإيطالي ألبرطو ميلوشي Alberto Melucci (
( 1943 -2001 من أهم الباحثين الذين
اقترحوا مقاربات جديدة على المستوى النظري والميداني لفهم الحركات الاجتماعية
والأشكال الجديدة للفعل الاجتماعي في عصر الإعلام. ومثله في ذلك مثل مانويل كاستلز
Manuel Castells.
ربط ”
ألبرطو ملوشي” تطور الحركات الاجتماعية بالثورة الإعلامية وظهور الشبكات، كما يدل
على ذلك عنوان مؤلفه الأساسي في هذا الصدد
.Challenging
codes. Collective action in the information age
ورغم قصر حياته
نسبيا (توفي في سن الثمانية والخمسين بسبب مرض عضال)، فقد كان له تأثير بالغ في
حقل الدراسات المهتمة بالحركات الاجتماعية في أوروبا والولايات المتحدة واليابان،
حيث ترجمت كتبه إلى أهم اللغات، وتم الاعتماد على جهازه المفاهيمي لدراسة الحركات الاجتماعية
في ثوبها الجديد، سواء تعلق الأمر بالحركات المناهضة للعولمة التي تأخذ شكل التشبث
بالهوية الثقافية والعرقية، أو أشكال الاحتجاج المختلفة التي تعرفها المجتمعات
الغربية منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي: حركات الشباب، الحركة النسوية، حركات
الدفاع عن البيئة وحركات الوعي الجديد. وقد عمل “ميلوشي” على دراسة هذه الحركات من
خلال أبحاث ميدانية أنجزها في جامعة “ميلانو” مع فريق يضم عشرة باحثين، وتم نشر
نتائجها في مؤلف يحمل عنوان”مجال الحركات الاجتماعية الحضرية: أنساق تعبيرية
جديدة” (1984). هذه الدراسة تشكل القاعدة التجريبية التي بنى عليها “ميلوشي”
مقاربته النظرية للحركات الاجتماعية التي كان لها إشعاع خاص في الأوساط الأكاديمية
والعلمية والتي يمكن للقارئ التأكد من قيمتها من خلال النصوص اللاحقة التي نشرها
“ميلوشي” مثل “الرحّل في الحاضر. الحركات الاجتماعية والحاجيات الفردية في المجتمع
المعاصر” أو المؤلف السابق الذكر”الفعل الجماعي في عصر الإعلام: نظم تعبيرية
جديدة”.
ينتمي ألبرتو
ميلوشي إلى عائلة عمالية، حيث كان أبوه يشتغل في السكك الحديدية. وقد جاء إلى
السوسيولوجيا من الفلسفة التي حصل فيها على إجازة في جامعة ميلانو. لكن اهتمامه
بالأوضاع الاجتماعية في إيطاليا، والتي كانت تعرف غليانا اجتماعيا كبيرا في الستينيات،
بفعل تأثير الحزب الشيوعي دفعه إلى تغيير مساره المعرفي لفهم ما يحدث. ثم
غادر بلاده إلى فرنسا سنة 1970 قصد إنجاز أطروحة في علم الاجتماع تحت إشراف الان
تورين Alain
Touraine تماما كما فعل
“كاستلز” من قبله. وقد كان ل”تورين” تأثير بالغ على تطور فكره في ثلاث اتجاهات
شكلت لاحقا اهتماماته الأساسية:صياغة نظرية اجتماعية، الاعتماد على ابستيمولوجيا
دقيقة وصارمة، وتوجيه البحث حسب حاجيات الفعل الاجتماعي. لقد اقتنع “ميلوشي” منذ
لقائه ب”تورين” في المعهد العالي للدراسات الاجتماعية بباريس أن العالم يسير في
اتجاه ظهور مجتمع جديد، وأن الحركات الاجتماعية تلعب دورا أساسيا في هذا التحول،
وأنه يتعين على الباحثين صياغة أدوات تحليلية جديدة لفهم ما يجري.
إن
الحركات الاجتماعية، هي بمثابة تعبير عن حركية المجتمع وتعكس رغبته في التغيير.
ومن نتائج هذه الحركية حدوث صراعات نسقية، لأن المجتمع هو في حد ذاته نسق فعلي،
يعيد إنتاج نفسه ويتحول باستمرار. وفي هذا السياق يتعين حسب “ميلوشي” دراسة
الحركات الاجتماعية من خلال الصراعات التي يكون المجتمع مسرحا لها، مع العلم أن
المجتمع نفسه يشكل نسقا. إن الصراع الاجتماعي هو النقطة التي يلتقي فيها النظام الاجتماعي
والفاعلون الاجتماعيون.
كل
مجتمع يعرف صراعات، وهذه الصراعات تدور حول قضايا ومشاكل يصعب إيجاد حلول لها،
ويحدث بسببها انقسام داخل المجتمع. وقد استعمل “ميلوشي” مصطلح dilemne لنعت هذه المشاكل، أي
خيار صعب يشكل معضلة بالنسبة إلى الفرقاء الاجتماعيين. هذه المشاكل المستعصية على
الحل هي التي تولد صراعات وتعارضات قائمة ومستمرة وتميز مجتمعا عن غيره. ما يميز
أشكال الصراع حسب “ميلوشي” هو غياب الارتباط الواضح بينها وبين البنية الاجتماعية التي
أفرزتها، بحيث لا نستطيع استنباطها من النسق الاجتماعي في حد ذاته. إن الحركات الاجتماعية
والفعل الواعي المنظم هو الذي يبرز بوضوح هذه المشاكل المستعصية ويمكننا من ربطها
بالنظام الاجتماعي. إن الصراعات النسقيةconflits systémiques
تتجلى وتعبر عن نفسها في الفعل الجماعي والفعل الاحتجاجي الذي
تمارسه الحركات الاجتماعية.
من جهة
أخرى لا يمكن الحديث مسبقا عن الفاعلين الاجتماعيين الذين ينشطون في الحركات الاجتماعية.
هؤلاء يبرزون من خلال الفعل نفسه، وهم إفراز للحركة الاجتماعية ينتجونها وتنتجهم، ويتفاجأون
هم أنفسهم بما يقومون به (كما عبر عن ذلك العديد من الناشطين في ميدان التحرير
خلال الثورة المصرية) “ميلوشي” يختلف هنا مع الطرح التقليدي الذي كان يعطي ماهية
خاصة وسابقة للفاعلين الاجتماعيين باعتبارهم أدوات تحرك التاريخ (كما هو الحال في
الطرح الماركسي التقليدي) وهو أقرب من فلسفة حنة أرندت Hannah Arendt دون أن يشير إلى ذلك
(الفيلسوفة الألمانية تعتبر أن الفعل هو الذي ينتج الفاعل). إن الصراع هو الذي
يفرز الشرائح المحركة للتاريخ من خلال مشاركتها الفعالة في الحركة الاجتماعية
التي تتوخى التغيير. وفي هذا السياق ليس من الممكن حسب “ميلوشي” تعريف الفاعلين من
خلال أوصاف بنيوية أو ثقافية. إن الحركة الاجتماعية هي فعل إرادي منظم تتكون من
خلاله هوية اجتماعية. الفاعل الاجتماعي هو “النحن” الذي تظهر خلال الصراع. وكل
حركة اجتماعية هي نسق لفعل متعدد الأقطاب، حيث إنها هوية متحركة.
*محمد الدهان من أبرز
السوسيولوجيين المغاربة، توفي سنة 2013، وقد كان قيد حياته أستاذا في
جامعة محمد الخامس، حيث كان يدرس سوسيولوجيا الإعلام
والانثروبولوجيا، كما كان إلى جانب ذلك ناقدا سينمائيا
المصدر: مدونة الأستاذ الدهان
https://dahanarabland.wordpress.com/2011/10/
الجمعة، 5 يونيو 2020
مارتن لوثر على ضوء التحليل النفسي
مارتن لوثر على ضوء التحليل النفسي
هاشم صالح*
كان عالم النفس الأمريكي الدكتور إريك إريكسون قد نشر
عام 1968 كتاباً عن المصلح الديني الكبير تحت عنوان: "لوثر شابّاً". وقد
أصبح كلاسيكياً فيما بعد من حيث براعة منهجه في تفسير آلية تشكّل الشخصيات العظمى
في التاريخ، وكيف أنها تولد مرّتين لا مرّة واحدة، على عكس الناس العاديّين. ثم
ترجمه الفرنسيون لاحقاً بإشراف المؤرخ الشهير فيرنان بروديل تحت عنوان: "لوثر
قبل أن يصبح لوثراً"[1]. ولقي هذا الكتاب ضجّة
كبيرة أثناء صدوره لدى أوساط المؤرّخين والمحلّلين النفسانيين بشكل خاص. وحظي
بتعليقات كثيرة وردود فعل صاخبة، أحياناً متحمّسة وأحياناً متحفظة. ما هي الأطروحة
الأساسية التي بنى عليها إريكسون كتابه كلّه؟ إنها تتلخّص في ما يلي: جميع البشر يعانون
من أزمة نفسية حادّة قليلاً أو كثيراً نتيجة الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة
النضج، وتبلغ هذه الأزمة ذروتها في مرحلة المراهقة؛ أي في حوالي الثامنة عشرة أو
العشرين من العمر. لهذا السبب تكون مرحلة المراهقة صعبة وعنيفة في معظم الأحيان،
ولكنّ عموم البشر يجتازونها بسلام، وحدها الشخصيات الاستثنائية تجد صعوبة في عملية
الانتقال هذه، ولذا فإنّ هذه العملية تطول لديها كثيراً، وبشكل غير طبيعي. أحياناً
تستمر عشر سنين أو حتى عشرين سنة إضافية. إنها لا تستطيع أن تترك عالم الطفولة
تماماً، ولا تستطيع أن تلتحق بعالم الناضجين تماماً، وهكذا تظلّ تتذبذب أو تتمزّق
أو تتأرجح بين بين. إنها تدخل في أزمة تناقضيّة حادّة مع ذاتها، أزمة قد تطول
سنوات عديدة قبل أن تنتهي بالحلّ. فإذا انتهت على خير قلنا إنّ الشخصية استثنائية
أو عبقرية، إلخ... وإذا انتهت على شر؛ (أي إذا انتحر الإنسان أو جنّ) قلنا إنّه
شخص مريض أو مأزوم ولا علاج له.وهنا، على هذه الشعرة الرقيقة جداً جداً، يتمايز
العبقري عن المجنون. كلّ ما فعله إريكسون هو أنه طبَّق هذه النظرية على شخصية لوثر
قبل أن يصبح ذلك المصلح الديني الكبير الذي نعرفه، وحلَّل عقده وأزمته النفسية التي
عانى منها منذ المراهقة الأولى، حتى بلغ الثلاثين عاماً تقريباً، بل قارن بين أزمة
لوثر وأزمة داروين وفرويد وبعض الشخصيات الكبرى الأخرى. ففرويد أيضاً عانى من أزمة
حادّة قبل أن يتوصّل إلى اكتشافه الكبير في أواخر القرن التاسع عشر. ولم يكن هذا
الاكتشاف إلا التحليل النفسي ذاته: أي استكشاف تلك القارة المعتمة، الخطرة،
المترجرجة، الغائصة في أعماق اللاوعي. هكذا نجد أنّ الاكتشافات الكبرى في التاريخ
تجيء عادة بعد مخاضات عنيفة وأزمات تناقضيّة حادّة مع الذات. إنها تنتج عن شخصيات
عصابيّة ـ أو حتى مرضية- لا تستطيع أن تشفى إلا بعد أن تحقق اكتشافها الكبير أو
تضرب ضربتها الكبرى. بالطبع هناك شباب حسّاسون جداً ويعيشون نفس نوعية الأزمات
التي تعيشها الشخصيات الاستثنائية، ولكنهم لا يستطيعون التوصّل إلى حلّ فيموتون
وسرّهم معهم. إنهم يفضّلون الانعزال والصمت الأبدي على دخول حلبة التاريخ. كم من
المواهب الحقيقية قُتلت أو ماتت، وهي في عمر الزهور؟ هؤلاء الأشخاص لن نعرف عنهم
شيئاً، لأنهم لم يتركوا أثراً أو بصمة على صفحة التاريخ. ولكنّ هذا لا يقلل من
أهميتهم أو من مثاليتهم وعذابهم. لقد كانوا من المثالية والبراءة، حيث إنهم فضلوا
عدم التلوُّث بهذا العالم، والامّحاء كلياً من الوجود.
وفي نهايات القرن الماضي، صدر في باريس كتاب ينحو في
الاتجاه نفسه، وذلك بعنوان: العبقرية والجنون[2]، وهو من تأليف أحد
الاختصاصيين في الطبّ النفسي والأنثربولوجيا. وبرهن هذا الباحث بكلّ وضوح على وجود
علاقة بين العبقرية والعُصاب النفسي؛ فمعظم العباقرة في مجال الأدب والفن
والمجالات الأخرى أيضاً كانوا مصابين نفسياً، وإن بأشكال مختلفة ومتفاوتة، ولم
ينجوا من مرضهم إلا عن طريق الإبداع. والفرق الوحيد بين العبقري والمجنون هو أنّ
الأول يستطيع أن يلجم جنونه عن طريق الإبداع، عن طريق إنجاز عمل خارق، في حين أنّ
الثاني لا يستطيع أن يتوصّل إلى ذلك، رغم كلّ محاولاته اليائسة، فيسقط كليّاً
ويغطس في ليل الجنون.
وقد تحدّث عن ذلك مرّة الفيلسوف الفرنسي الماركسي لويس
ألتوسير الذي خنق زوجته هيلين في لحظة جنون هائجة، ولذلك أنصحكم بعدم تدليل
زوجاتكم أكثر من اللزوم، تحدّث لويس قائلاً إنّه هو وميشيل فوكو كانا مصابين
نفسياً في شبابهما الأول، وأنهما كانا يمشيان على سلك رقيق جداً، ويمكن أن يسقطا
في فوهة الهاوية في أيّة لحظة. ولكن ميشيل فوكو نجا في نهاية المطاف، في حين أنه
هو؛ أي ألتوسير، غطس كلياً في غياهب الجنون. وقال إنّه عندما قرأ مقدمة فوكو
الرائعة والبركانية النيتشوية لكتابه: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، عرف أنّ
صديقه قد نجا. هكذا نلاحظ، أنّ فوكو لم يستطع أن يتخلص من خطر الجنون إلا عن طريق
ضربة إبداعية خارقة، عن طريق تكريس أطروحة ضخمة له، والتحديق به وجهاً لوجه.
وهنا تكمن عظمة فوكو وعبقريته، لقد استخدم السلاح نفسه
الذي نصحنا به أبو نواس في بيته الشهير: وداوني بالتي كانت هي الداء... وعموماً،
إذا ما استعرضنا أسماء كبار المبدعين في التاريخ وجدنا أنّ معظمهم كانوا
"مصابين" بشكل خطير قليلاً أو كثيراً. نذكر من بينهم لوثر بالطبع، ولكن
هناك أيضاً بيتهوفن وشوبير وبودلير وديستويفسكي وكافكا ونيتشه وجيرار دونيرفال
وموباسان ورامبو وغوته وعشرات غيرهم. لا يمكن أن تغيّر العالم أو أن تبدع إبداعاً
خارقاً وأنت شخص عادي كبقية البشر. ينبغي أن تتميّز بتركيبة نفسية خاصّة. وعموماً،
فإنّ كبار المغيّرين في التاريخ كانوا يتميّزون بصفة أساسية: ألا وهي استعدادهم
للتضحية بأنفسهم من أجل القضية إذا لزم الأمر. انظروا حالة النبي محمد أو لوثر
نفسه أو المسيح أو سقراط، بل حتى جان جاك روسو في العصور القريبة. فالكثيرون
يعتبرونه بمثابة نبي العصور الحديثة... فقد خاطر بنفسه من أجل قناعاته، ووضع روحه
على كفه، وضحّى بطمأنينته الشخصية بعد أن همّوا بقتله أكثر من مرة.
يركّز إريكسون في أطروحته عن لوثر على المسألة التالية:
كان لوثر يعاني من عقدة نفسية تجاه أبيه بسبب خشونة هذا الأخير معه ومعاملته
القاسية له عندما كان صغيراً، ولم يستطع أن يتحرَّر من هذه العقدة إلا بعد أن خاض
معركة هائلة وشرسة مع نفسه. وقد انعكست هذه العلاقة على صورة الله نفسه، فقد أصبح
يراه أيضاً بشكل مرعب ومخيف على صورة الأب.[3] ولم يستطع أن يتخلَّص
من هذه الصورة إلا بعد أن توصّل إلى كشفه اللاهوتي الكبير، وتخلَّص من التديُّن
المظلم والعابس للقرون الوسطى. ولذا فيمكن اعتبار لجوئه إلى الدير بمثابة اللجوء
إلى مستشفى روحي بدلاً من اللجوء إلى مصحّ عقلي؛ لأنّ المصحات العقلية لم تكن
موجودة في ذلك الزمان. لقد أتاحت له فترة السنوات العشر الأولى من إقامته في الدير
أن يصفّي حساباته مع نفسه، أن يهدّئ من روعه ولو قليلاً، أن ينزل إلى أعماق أعماقه
لكي يدرك سرّ المرض الذي ينخر فيه والداء العضال. ولكنّ هذه الفترة الهادئة من
حياته والمنسحبة كانت بمثابة الهدوء الذي يسبق الإعصار. فهذا الرجل الهادئ،
الوديع، المنسحق تحت وطأة آلامه النفسية، من كان يتوقّع أنه سيصبح بعد عشر سنوات
فقط أحد كبار الانقلابيين في التاريخ؟ هذا الرجل الذي يخجل من نفسه، بل يخشى حتى
من ظلّه، من كان يعتقد أنّه سيصبح بعد سنوات قليلة أكبر خطيب في عصره وأكبر محرِّر
ـ أو محرِّك- للجماهير؟
للبرهنة على أطروحته، يتوقف إريكسون مطوّلاً عند حادثة
أساسية للوثر بعد دخوله إلى الدير، وهي تكشف عن سرّ أزمته وعلاقته المرعبة مع
أبيه؛ فعندما كان يردّد بعض التراتيل الدينية مع زملائه من الرهبان الآخرين سقط
فجأة على الأرض، وهو يرغي ويزبد، وسمعوه يتمتم بكلام غامض غير مفهوم لم يدركوا منه
إلا العبارة التالية: ليس أنا ! ليس أنا ! ليس أنا !... في الواقع أنّ أحدهم كان
قد تلا أمامه ذلك المقطع من الإنجيل الذي يتحدث عن رجل جاء إلى المسيح، وهو يجرّ
ابنه المصاب بالصرع. يقول المقطع: "وإذا رجل من الجمع صاح: يا معلّم، أسألك
أن تنظر إلى ابني فإنه وحيدي، يحضره روح فيصرخ بغتة، ويخبطه حتى يزبد، ولا يفارقه
إلا بعد أن يرضّضه. وقد سألت تلاميذك أن يطردوه فلم يستطيعوا... فانتهر يسوعُ
الروحَ النجسَ، وأبرأ الصبي، وردّه إلى أبيه، فدهشوا جميعاً من عظمة الله".
عندما سمع لوثر هذا المقطع ارتجف رعباً وسقط أرضاً كما
قلنا، لأنه تذكر قصة شهيرة جرت له مع أبيه اتهمه فيها بالاختلال العقلي أو
بالجنون. ولذلك راح يردّد بشكل هستيري تقريباً: ليس أنا، ليس أنا... لكأنّه يريد
أن يردّ التهمة عن نفسه، أن يقول: أنا لست مجنوناً، أنا لست هذا الشخص المصاب
بالصرع، والذي جاء لكي يبرّئه المسيح... من المعروف أنّ والده لم يرضَ إطلاقاً عن
دخوله إلى الدير، ولم يقبل بالأمر الواقع إلا على مضض. كان يريده أن يصبح قاضياً
أو موظفا كبيراً في جهاز الدولة براتب محترم. وقد وصل الأمر إلى حدّ التهديد
بالتبرؤ من ابنه كليّاً وقطع كل علاقة معه. ولكنه اضطر إلى التراجع عن ذلك فيما
بعد، مثل كلّ الآباء الذين يظلون متعلقين بأبنائهم على الرغم من كل شيء. فبعد مرور
أكثر من سنة أو سنتين على دخوله إلى الدير، جاء وقت تنصيبه (أو سيامته) ككاهن.
وكانت العادة أن يدعو الشاب بهذه المناسبة عائلته وأصدقاءه المقرّبين لحضور الحفل
المهيب في الكنيسة بالإضافة إلى الشخصيات الرسمية من دينية ودنيوية. وبالتالي فقد
اضطر لوثر لدعوة أبيه، وهو خائف من ردود فعله، لأنه يراه لأولّ مرة منذ دخوله إلى
الدّير قبل عدة سنوات، فجاء هانز لوثر على حصان ومعه عشرة من الخيّالة وجلب الكثير
من الأطعمة والهدايا للاحتفال بالمناسبة. وفرح لوثر بذلك واعتقد أنّ أباه قد أذعن
للأمر وقبل بخياره أخيراً بأن يصبح كاهناً ولم يعد ناقماً عليه. ولكنّ المفاجأة
سرعان ما حصلت لاحقاً. فبعد انتهاء الشعائر الدينية والاحتفال الرسمي جلس الجميع
بمن فيهم رئيس الدير والشخصيات الرسمية على مائدة الغداء الكبيرة، وكان لوثر يجلس
إلى جانب والده، وفجأة قطع الوالد المأدبة، وتوجّه إلى كبار اللاهوتيين والشخصيات
الحاضرة بالكلام التالي: يا سادة، إني أناشدكم: ألم يجئ في الكتاب المقدّس بأنه
ينبغي على الولد أن يطيع والديه؟ إني أشهد أمامكم أنّ ابني مارتن قد خذلني وخذل
أمّه، وتخلّى عنا ونحن في سنّ متأخرة، فقد كنا نتوقع أن يعيلنا بعد أن صرفنا عليه
وعلى دراسته كلّ جهدنا وعرق جبيننا، ولكنه فضّل الانسحاب من مسؤولياته والالتحاق
بالدير وتركنا وحدنا... فردّ عليه ابنه قائلاً بأنّ الصاعقة التي نزلت عليه وكادت
تودي به كانت علامة مرسلة من السماء، وأنه لا يستطيع أن يعصي أمراً جاء من فوق،
وعندئذ احتدَّ أبوه، وقال له: أخشى ألا تكون علامة من الشيطان ... وأصابت هذه
الكلمات من لوثر مقتلاً. والواقع أنه عندما سقط في باحة الدير مغميّاً عليه وهو
يردّد: ليس أنا، ليس أنا، كان يريد أن يقول: أنا لست ممسوساً، أنا لست مريضاً، أنا
لست مذنباً. أنا لست شيطاناً. كان يريد أن يردّ التهمة عن نفسه، ولكن كم من مرّة
راح يشكّ في نفسه وفي رسالته؟ ألم يحصل له ذلك مراراً وتكراراً، عندما كانت تمرّ
به لحظة ضعف أو يأس مطبق؟ ثم ألا يشعر هو أيضاً بأنّ الشيطان يناوشه، بأنه يسكنه
من الداخل ويقضّ عليه مضجعه في أحيان كثيرة؟ كيف يمكنه أن ينكر ذلك، وهو يعاني ما
يعانيه من تأزّمات نفسية حادّة ورهيبة؟ والغريب أنه حتى بعد أن أصبح ذلك المصلح
الديني الكبير الذي نعرفه، حتى بعد أن أصبح أشهر شخص في ألمانيا، فإنه أحسّ
بالحاجة مرة أخرى إلى تبرير نفسه أمام أبيه. يقول له في مقطع من رسالة مشهورة
سجّلتها كتب التاريخ: "ألم تكن تفضّل أن تفقد مائة ابن على أن تخسر هذا المجد؟
من يستطيع أن ينكر أني الآن في خدمة الكلمة ـ أي في خدمة الله-؟"[4]. بالطبع، فإنّ والده
الذي يعرف نقاط ضعفه عندما كان صغيراً لم يخطر على باله لحظة واحدة أنّ ابنه سيصبح
يوماً ما زعيم ألمانيا ونبيّها الأوحد.
في الواقع إنّ كل مأساة لوثر ـ وكلّ عظمته أيضاً- تكمن
في كلمة واحدة: التبرير؛ أي تبرير الذات؛ بمعنى: كيف يمكن أن أبرّر نفسي؟ كيف يمكن
أن أتخلّص من عقدي وأوجاعي؟ كيف يمكن أن أتخلّص من عقدة الذنب الرهيبة التي
تسكنني؟[5] والواقع أنّ لوثر لم
يستطع تبرير نفسه إلا بعد أن قدّم لأمّته وللمسيحية كلّها أكبر خدمة يمكن أن تحلم
بها. كلّ العالم الحديث قام على فكرة التبرير والتخلص من الخطيئة الأصلية التي
تحتلّ مكانة كبيرة في العقيدة المسيحية. فعندما أشعر بأني نظيف، وطاهر، وبريء،
فإني أستطيع أن أنطلق لكي أفتح العالم، لكي أحقق وجودي على هذه الأرض، لكي أعيش
بشكل طبيعي لا أكثر ولا أقل. ما نفع الحياة إذا كنت ملاحقاً بكابوس الذنب والخطيئة
من البداية إلى النهاية؟ ولكنّ الشيء الغريب العجيب هو أنّ مدشّني الحداثة
الأوروبية في معظمهم كانوا أناساً لا يشعرون بالطمأنينة في هذا العالم، كانوا
يشكّون في مشروعية وجودهم أو في ضرورة هذا الوجود. نذكر من بينهم جان جاك روسو الذي
دشَّن الحداثة السياسية والتربوية والأخلاقية في القرن الثامن عشر. فقد كان يشبه
لوثر أيضاً من هذه الناحية: ناحية اتهام الذات، تعذيب الذات، جلد الذات، محاسبة
الذات... ولم ينجُ من هذه العقدة إلا بعد أن كتب "الاعترافات"، بل حتى
بعد أن كتبها ظلّ ملاحقاً بهاجس تبكيت الضمير. لم ينجُ منها إلا بعد أن كتب
"إميل"، و"العقد الاجتماعي"، وبقية المؤلفات التي أضاءت
للبشرية الأوروبية مجاهيل الطريق، وفتحت آفاق المستقبل على مصراعيها. نعم لقد
دُفِع ثمن الحداثة غالياً في أوروبا. ومن يعتقد أنّ الحداثة جاءت على طبق من ذهب،
أو أنها كانت نزهة في واد من الزهور؛ فهوواهم ومخطئ. في الواقع إنّ الشخصيات
العظيمة، مثل لوثر وروسّو وغيرهما لم تنجز أعمالها الكبرى إلا لتبرير ذاتها،
لتبرير وجودها على هذه الأرض. كانت تشعر دائماً بأنها غير مبرَّرة، وأنها ينبغي أن
تقدّم خدمة كبرى للبشرية لكي تصبح مبرَّرة. كانت مجبرة على الإبداع غصباً عنها إذا
جاز التعبير وإلا فإنها سوف تنتحر أو تجن.
يرى الدكتور إريكسون، وهنا تكمن النقطة الأساسية الثانية
من أطروحته، أنّ الشخصيات الاستثنائية في التاريخ تولد مرّتين لا مرّة واحدة، وذلك
على عكس بقية البشر؛ فهي تولد أولّ مرة من بطن أمّها كما يولد جميع البشر، ولكنها
تولد مرّة ثانية عندما تتحرّر من عقدتها النفسية الرهيبة وتتوصّل إلى اكتشافها
الكبير، وبالتالي فهناك الولادة البيولوجية، وهناك الولادة الروحية. لذلك قال لوثر
بعد أن جاءته اللحظة، لحظة الكشف الأعظم: شعرت وكأني أولد من جديد، شعرت وكأني
أدخل الجنة من أوسع أبوابها... وقال روسّو بعده بمائتي سنة تقريباً الكلام نفسه.
قال واصفاً لحظة الكشف التي طرحته أرضاً، وهو سائر على طريق غابة فانسين: بدءاً من
تلك اللحظة أصبحت رجلاً آخر. لقد انهالت عليّ آلاف الأنوار من كلّ الجهات... وقد
شهد ديكارت أيضاً لحظة الإلهام الصاعق قبل أن يتوصّل إلى الحقيقة والمنهج الصحيح
ليلة العاشر من نوفمبر عام 1619. لنختصر الفكرة: هناك أناس يولدون مرة واحدة في
حياتهم؛ بمعنى أنهم يتأقلمون بدون صعوبة كبيرة مع عصرهم، ويشعرون بالارتياح مع
الفكر المحيط والإيديولوجيا السائدة، ولا يشعرون عموماً بأيّ تناقض يذكر بينهم
وبين أنفسهم أو عصرهم. وهناك أشخاص ذوو أرواح مريضة أو منقسمة على ذاتها، وبالتالي
فهم يبحثون عن ولادة ثانية تمحو آثار الولادة الأولى وتزيل التناقض الكائن بينهم
وبين أنفسهم ثم بينهم وبين العصر. ولكنهم لا يستطيعون أن يزيلوه إلا بعد أن
يغيّروا أنفسهم ويغيّروا العصر في آن معاً بضربة معلم لا يعلم سرّها إلا الله. لا
يستطيعون أن يتصالحوا مع أنفسهم إلا بعد أن يقيموا الدنيا ويقعدوها ويشعلوا
الحرائق في كل مكان. لوثر كان من هذا النوع، وكذلك محمد من قبله، والمسيح أيضاً.
كلّهم كانوا انقلابيين من أعلى طراز، كلّهم اصطدموا بسلطات عصرهم وعقائده الراسخة
أو دين الآباء والأولين. وباختصار شديد: كان ينبغي عليهم أن يدمّروا لكي يعمّروا
أو لكي يعيدوا بناء العالم من جديد، وهم إذ يولدون ثانية يساعدون على تشكيل
المجتمع بصيغة أخرى؛ أي بالصيغة التي تناسبهم وتناسب حركة التاريخ والمستقبل. هكذا
نجد أنّ الانهيارات الداخلية تتوازى مع الانهيارات الخارجية، وتؤدي في نهاية
المطاف إلى ولادة مزدوجة وسعيدة على صعيد الخاص والعام في آن معاّ. لكنّ هذه
اللحظات نادرة في التاريخ ولا تحصل إلا في المنعطفات الكبرى. حقاً لقد كان لوثر
نبيّ الألمان وموحّد قوميتهم ولغتهم، مثلما كان محمد نبي العرب وموحّد قوميتهم
ولغتهم ونافخ الروح فيهم، حتى استطاعوا دخول التاريخ والتغلب على أكبر
إمبراطوريتين في ذلك الزمان: الساسانية والبيزنطية. لوثر أيضاً نفخ الروح في
الألمان وأشعرهم بهويتهم وكيانيتهم وعبقريتهم. أقول ذلك على الرغم من أنه لا نبيّ
بعد محمد، فهو خاتم الأنبياء وآخر مؤسّس للأديان السماوية. ولكنّي أستخدم كلمة
نبيّ هنا وأطبّقها على لوثر بالمعنى الفضفاض الواسع للكلمة، فهو لم يؤسّس ديناً
جديداً، وإنما إصلاحاً كبيراً داخل المسيحية. ولكنّ الجميع يعترفون بأنه كان
قائداً روحياً كبيراً، وأنه جمع في شخصه بعض الصفات التي لا يتميّز بها عادة إلا
الأنبياء الملهمون. ولولا ذلك لما استطاع أن ينتصر على روما البابوية التي كانت
تمثل آنذاك أعتى قوة دينية أصولية في تاريخ الغرب، بل والعالم. شيء جنوني، شيء لا
يكاد يصدق، إذا ما تموضعنا ضمن معطيات ذلك العصر وظروفه. والواقع أنّ معاصري هذا
"الحدث ـ الزلزال" ما كادوا يصدّقون أعينهم عندما رأوا لوثر يتغلب على
البابوية وينجو من مخالبها في نهاية المطاف، ويؤسّس مذهباً ضخماً يكاد يشبه ديناً
جديداً، هو: البروتستانتية. الجميع صعقوا بهذا الانتصار ورأوا فيه تأييداً من
السماء، ولهذا السبب ارتفع لوثر تقريباً إلى مرتبة الأنبياء. فجميع المصلحين قبله
فشلوا في مهمتهم، وقضت عليهم محرقة الفاتيكان ومحاكم التفتيش الرهيبة. انظروا حالة
المصلح التشيكي العظيم جون هوس من جملة آخرين، فقد كان تقيّاً نقيّاً ولكنه فشل،
فألقوه طعمة للنيران. ولكن ألم يمهّد فشل جون هوس لنجاح لوثر؟ كم من المحاولات
ينبغي أن تتكسّر على صخرة الطغيان اللاهوتي والظلام الأصولي لكي تنجح محاولة واحدة[6]؟
هذه الملحمة الكبرى، ملحمة الإصلاح الديني في أوروبا، هي التي نأمل الكشف عنها من
خلال هذا الكتاب إذا ما أوتيت القوة والعزيمة للسير به حتى نهاياته.
*هاشم صالح مفكر
وكاتب ومترجم سوري متخصص في قضايا التجديد الديني ونقد الأصولية ونقاش قضايا
الحداثة وما بعدها
الهوامش:
[1]- انظر كتاب إريكسون:
لوثر قبل لوثر.
التحليل النفسي والتاريخ. باريس 1968
Eric H.Erikson
:Luther avant Luther
Psychanalyse et
Histoire
Flammarion.1968
[2]- انظر كتاب فيليب برينو: العبقرية والجنون. باريس، 1997
- Philippe Brunot: Le
génie et la folie, Paris 1997.
كنت قد استلهمت هذا
الكتاب، عندما كتبت مقالة مطولة بعنوان: بين العبقرية والجنون: دراسة فلسفية. يمكن
الاطلاع عليها في موقع جماليا،أو في موقع جهة الشعر، الذي يشرف عليه الشاعر الكبير
قاسم حداد في البحرين.أرجو من القاريء الكريم ألا يطلع على هذه المقالة في المواقع
الالكترونية الأخرى. لماذا؟ لأنها مليئة بالأخطاء المطبعية التي تشوه النص إلى حد
كبير. باختصار شديد أرجوه عدم الاطلاع عليها إذا كانت صادرة تحت عنوان: "بين
العبقرية والجنون" فقط. عندما تكون صادرة تحت العنوان الكامل: "بين
العبقرية والجنون: دراسة فلسفية"، يمكنه الاطلاع عليها، لأنها مصحّحة تماماً
وموثوقة. هذا الكلام لا يعني إطلاقا أية إدانة للمواقع الالكترونية الأخرى التي نشرتها
بكثرة عن حسن نية ولكن قبل أن أصححها وأنقحها. وبالتالي فالذنب ليس ذنبها.
3ـ ينبغي العلم بأن هذه هي صورة الله بالنسبة للعصور
الوسطى المظلمة مسيحية كانت أم إسلامية . وحدها العصور الحديثة استطاعت الخروج من
هذا التصور الكالح والمكفهر لله، وأحلت محله التصور المتفائل الواثق المشجع على
الانخراط في العالم. نقول ذلك على الرغم من أنّ كل سور القرآن الكريم تبتديء
بالآية التالية: بسم الله الرحمن الرحيم. ولكن صورة المنتقم الجبار حلّت محلها في
التعليم الديني التقليدي القائم على الترهيب عموماً والوعظ والزجر. وبالتالي، فالخوف
من الله بل والرعب منه هو الذي ساد وليس الثقة به والايمان به. وهنا كانت تكمن
مشكلة لوثر قبل أن يتوصل إلى اكتشافه اللاهوتي الكبير وتعود اليه السكينة
والطمأنينة والثقة المطلقة بعدالة الله ورحمته. ولكن كم تعذب وكم تقلب ذات اليمين
وذات الشمال قبل أن يتوصل الى هذه الصورة الجديدة لله؟ لقد ذاق الأمرّين، وكاد أن
يهلك وتزهق روحه قبل أن يصل إلى شاطيء الأمان..وهنا بالضبط تكمن عظمة لوثر.
[4]- انظر كتاب إريكسون
السابق الذكر، ص.53
5ـ لو أنه كان مذنباً لهان الأمر، ولكنه لم يرتكب أي خطأ
أو خطيئة ومع ذلك يشعر كأنه أكبر مذنب في التاريخ! وهنا تكمن المشكلة العويصة.
أن تشعر بالذنب دون أن
تكون قد ارتكبت أي ذنب، فهذا يعني أنك مرهف الضمير وشديد الإحساس. إنه علامة خير
لا علامة شر. وحده الشخص القذر أو المجرم لا يشعر بأي تأنيب للضمير، حتى لو ارتكب
أكبر الجرائم. ولكن المشكلة هي أنّ الشعور بالذنب إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده:
أيّ يشلك شلاّ، ويدمّرك من الداخل تدميراً. وهذه المشكلة الرهيبة المستعصية لم
تحلّ إلا بعد أن قدّم لوثر خدمة جليلة لقومه وللعالم المسيحي كله. عندئذ سيتوصل
إلى تبرير نفسه على هذه الأرض. عندئذ سينتصر على نفسه، على عقده وأوجاعه، ويصبح
أعظم شخصية في تاريخ ألمانيا. وعندئذ سيجيء والده لكي يعتذر له، لكي ينحني أمامه
بعد أن أصبح مصلح المسيحية ومطهّرها من الفساد البابوي والطغيان الكهنوتي. من يعلم
كم كانت دهشة الوالد كبيرة ومفخرته أكبر بابن كهذا؟
6ـ الشيء نفسه ينطبق على حالة العرب في زمن البعثة. كم من
الأنبياء الكذبة فشلوا قبل أن تنجح النبوة الحقيقية الوحيدة لدى العرب: قصدت نبوة
محمد؟ انظروا مسيلمة الكذاب مثلاً أو سجاح..هذا لا يعني إطلاقاً أنّ جون هوس كان
مصلحاً كاذباً، وإنما يعني أنه جاء قبل الأوان أو قبل أن تنضج الظروف ففشل، في حين
أنّ لوثر ظهر في اللحظة المناسبة فنجح. على أية حال هذا هو أحد التفسيرات التي
يمكن تقديمها للمسألة. وفوق كلّ ذي علم عليم.
المصدر: موقع مؤمنون بلا حدود
الخميس، 28 مايو 2020
العنف الاجتماعي وكبش الضحية: مدخل لقراءة أعمال روني جيرار René Girard
العنف الاجتماعي وكبش الضحية
مدخل لقراءة أعمال روني جيرار
محمد الدهان*
يعد روني جيرار René Girard من الباحثين الذين
ساهموا بشكل أساسي في صياغة نظرية أنثروبولوجية حول موضوع العنف الاجتماعي،
وميكانيزمات التفريغ الضرورية للحيلولة دون تعميمه على كل الأفراد مما يهدد
المجموعة ككل في استقرارها واستمراريتها. ولفهم هذا الموضوع قام “روني جيرار”
ببناء نظرية المحاكاة التملكية التي يعتبرها بمثابة حجر الزاوية لفهم الصراع
الاجتماعي وما يترتب عنه من عنف، والوسائل التي تلجأ إليها المجتمعات البشرية لدرء
المخاطر التي تهددها.
“روني جيرار” باحث فرنسي وقد جاء إلى الأنثروبولوجيا عن طريق الأدب المقارن
والتاريخ. وقد قضى جل حياته الجامعية بالولايات المتحدة حيث درس بجامعة Jhons Hopkins في Baltimore. في سنة 1961 عرض لأول
مرة مفهوم “رغبة المحاكاة” Désir mimétique في كتابه المعنون
“الكذب الرومانسي والحقيقة الروائية”. هذا المفهوم سيحتل الصدارة في أعماله اللاحقة التي ستأخذ منحى أنثروبولوجيا واضحا مثل كتاب “العنف
والمقدس” أو “أشياء خفية منذ بداية الدنيا” ومؤلف “كبش الضحية”. ولتقريب القارئ من
هذه النظرية سأقوم بعرض وجيز لأهم المفاهيم التي تتشكل منها أطروحة “روني جيرار”.
المحاكاة
التملكية
من خلال دراسته للنصوص الأدبية الكبرى (شكسبير، دوستويفسكي،مارسيل بروست) تبين
ل”روني جيرار” أن الرغبة هي المحرك الأساسي للعلاقات الإنسانية وأن هذه
الرغبة من نوع خاص لأنها تحتاج لعنصر ثالث للتعبير عن نفسها. إنني أرغب في
ما يرغب فيه شخص آخر أعتبره نموذجا أقتدي
به في اختياري. هذا النموذج ينعته “روني جيرار” بالوسيط médiateur بين الذات وموضوع الرغبة. إن الرغبة تتم
دائما في إطار مثلث:إنني أرغب في هذا اللباس لأن فلانا من معارفي أثق في
ذوقه… ،وأرغب في تلك المرأة لأنها تثير إعجاب الآخرين…هذا الوسيط يمكن أن
يكون خارجيا، بعيدا كل البعد عن الشخص الراغب (شخصيات فنية أو رياضية…) نقلد سلوكها
في اختياراتنا، أو داخلية حين يتعلق الأمر بأفراد تربطنا بهم علاقات مباشرة في
العمل أو السكن أو في العلاقات الأسرية. في هذه الحالة يتحول الوسيط إلى منافس
وأحيانا إلى عدو كلما ارتفعت قيمة الموضوع المتنازع عليه.
إن
التقليد والمحاكاة خاصية بشرية وهي أصل التعلم بكل أشكاله كما عبر أرسطو عن ذلك.
إننا نتعلم بالمحاكاة، نتدرب على النطق بأصوات معينة ونحن أطفال، نتعلم كتابة
الحروف من خلال ما نراه فوق الصبورة، نتدرب على حركات معينة في الرياضة والرقص…لكن
المحاكاة سرعان ما تأخذ أشكالا عنيفة ولا سيما حين يتعلق الأمر بتحقيق رغباتنا،
لأن الوسيط يتحول إلى منافس وخصوصا حين تتوخى الرغبة تملك موضوعها وهو ما ينعته
“روني جيرار” بالرغبة التملكية mimésis d’appropriation. من جانب آخر تتميز الرغبة التملكية بانتشارها السريع مثل عدوى وخصوصا حين يكون
موضوعها نفيسا ونادرا وضروريا. حينئذ تتحول هذه الرغبة التملكية إلى مصدر عنف يمكن
إذا تعمم أن يهدد المجموعة في حياتها. ذلك ما أطلق عليه “روني جيرار” عبارة “أزمة
المحاكاة”.
أزمة المحاكاة:
حين تأخذ المنافسة شكلا جماعيا (الكل ضد الكل) لتملك ما هو ثمين ونادر تبدو الفتنة
كخطر حقيقي يهدد حياة المجموعة. إن العنف مثل الرغبة، يخضع لمنطق التكرار والانتشار
(العنف يولد العنف) كما هو الحال عند بعض التجمعات القبلية التي تمارس الانتقام
(السن بالسن والدم بالدم) انطلاقا من مفهوم الشرف والفدية. وقد بينت الدراسات
الأنثروبولوجية في هذه الحالة بالضبط كيف يتم توظيف المقدس لوقف إراقة
الدماء. ومن خلال دراسته للنصوص التي تتأسس عليها الديانات السماوية،وبعض الأساطير
المشتركة بين الشعوب توصل “روني جيرار” إلى خلاصة مفادها أن هناك ميكانيزم ثقافي
كوني تستعمله كل المجموعات البشرية للحد من العنف الذي يهدد وجودها: البحث عن كبش
الفداء bouc
émissaire.
كبش الضحية
إن الرغبة
التملكية تخلق الأحقاد بين المتنافسين لدرجة نسيانهم للموضوع المتنازع عليه. وحين
تصل الأزمة ذروتها يصبح الإدراك الجماعي متذبذبا وقابلا لأي إيحاء يوهمه بأصل
الأزمة والسبب في حدوثها. وإذا تعلق الأمر بشخص بعينه ستتنفس المجموعة الصعداء
لأنها تحول العنف من وجهته الخطيرة (الكل ضد الكل) إلى (الكل ضد الواحد). ذلك ما
ينعته “روني جيرار” بآلية التضحية” mécanisme victimaire أو ما يسميه أيضا le lynchage fondateur. حين يصل العنف ذروته تختار المجموعة فردا داخل المجموعة أو خارجها
لتحميله مسؤولية الأزمة وتركيز الحقد عليه باعتبار أنه المسؤول عما تعيشه المجموعة
من كوارث وأحقاد. وبالقضاء عليه أو انصرافه تتنفس المجموعة الصعداء ويعود الوئام
ولو لفترة.
لكن
سرعان ما يتجدد العنف الجماعي، بسبب النزعة الطبيعية عند الإنسان نحو التملك وظهور
الرغبات المتعارضة. ولتفادي تكرار ما حدث تلجأ المجموعة إلى البحث عن حل خيالي
لأزمة حقيقية. ذلك هو دور الطقوس المسماة بطقوس التضحية. إن طقوس التضحية على شكل
ذبيحة هي وسيلة لتفريغ العنف الكامن عند كل مجموعة بشرية من خلال توجيهه نحو ضحية
حيوانية تتقاسم بعض الصفات مع البشر مثل المنفعة والبراءة.إن فرضية التعويض تدعمها
المعطيات الميدانية ودراسة النصوص القديمة والكتب السماوية والأساطير المؤسسة كما
بين ذلك “روني جيرار” في مؤلفه “العنف والمقدس”.
المصدر: مدونة الأستاذ الدهان
https://dahanarabland.wordpress.com/2011/10/
الأربعاء، 27 مايو 2020
السلفية والتحديث وثقافة التقليد : إضاءات مغاربية
السلفية والتحديث وثقافة
التقليد : إضاءات مغاربية
احميدة
النيفر*
في كتاب "ذكريات وشهادات ووجوه"
للأستاذ الدكتور عبد الهادي بوطالب[1]، نقرأ عن الحركة السلفية في تونس ما يلي:
"يمكن تأريخ بدء التنظيم السلفي في تونس بالزيارة التي قام بها محمد عبده إلى
تونس في صيف سنة 1903[2]، موفدا من أستاذه جمال الدين الأفغاني، ربما
لمحاولة تأسيس فرع للـ"عروة الوثقى". وساعدت هذه الزيارة على الأقل على
التعريف بفلسفة الحركة السلفية المصرية، وعلى ربط حلقات الاتصال بين تونس ومقر
السلفية في القاهرة".
ما يعنينا في هذه الشهادة، هو متابعتها
لحركة الأفكار والمؤسسات في تونس الحديثة، وتوقفها عند موقع مفصلي في الحراك الثقافي
- الفكري الحديث بالبلاد التونسية، ذلك الموقع الذي كثيرا ما يقع الإعراض بالقصد
غالبا. يمكن أن ندرك أهمية هذه الوقفة حين نواصل مع الدكتور أبو طالب، وهو يعلق
على أهمية زيارة محمد عبده لتونس، منبها إلى أمرين في ذلك المفصل التاريخي:
-إثارة زيارة عبده "جدلا
لم ينقطع بين علماء الزيتونة المحافظين في أغلبيتهم، وبين طلبتها المتطلعين إلى
الإصلاح والتجديد".
-تميز سلفية تونس، في ذلك
الطور، عن التنظير السلفي في أقطار أخرى "بالتركيز على الإصلاحات
السياسية"، مما أتاح المجال لظهور نخب وطنية شابة تتجاوز الفكر المحافظ.
ندرك من الأمر الأول، أن الخط السلفي
الإصلاحي الوافد في صياغته المصرية الحديثة مطلعَ القرن العشرين، استطاع أن يحدث
أثرا بيّــنا في النخب المتعلمة الزيتونية والمدرسية على السواء، بينما لم تتمكن
الموجة السلفية النجدية السابقة، والتي ظهرت من قبل بحوالي قرن من أن تَـفلَّ من
عضد النخب العلمية المحافظة.
دلالة الأمر الثاني، تؤكد أن الحضور السلفي
الحديث في تونس اكتسى صبغة إجرائية، بعيدة عن المماحكات النظرية العقدية. ذات
الظاهرة تبرز في الأقطار المغاربية الأخرى، حيث تمثل النفاذ السلفي في كل قطر،
متفاعلا مع المقتضيات المحلية السياسية الاجتماعية أكثر من أي اعتبار آخر.
مؤدى ذلك في خصوص السياق القطري التونسي، أن
تحوّلا مهمّا حصل في الفترة التي فصلت بين المد السلفي الأول الذي ظهر في مطلع
القرن الثامن عشر، والوافد من منطقة نجد، وبين موجته الثانية التي عرفها العالم
العربي في صياغة أحدث، قام عليها رجال السلفية الإصلاحية في مصر والشام[3]. لقد قاومت النخب التونسية بشدة السلفية في
الطور الأوّل، على اعتبار أنها " ضلالة وهابية"، لكونها كانت حاملة
لخطاب عقائدي مفرغ من أية أبعاد واقعية، بينما كانت الاستجابة مغايرة بعد ذلك
نتيجة تحولات محلية مجتمعية من جهة، ولأنها اعتمدت خطابا له أفق فكري واجتماعي.
عند التوقف على هذا الملمح الأول من الموقع
المفصلي، تبرز عدة مستويات لفهم الظاهرة السلفية الحديثة ذاتها. ما يتبيّن في جانب
الخصوصية السلفية، أن الموجة السلفية الأولى كانت تعمل - ككل التوجهات السلفية -
على إحياء الضمير الديني بمقاومة الانحرافات العقدية والشعائرية والسلوكية التي
كانت ترى فيها تهديدا لجوهر الإسلام، وإضعافا لروحه، وهدرا لطاقات الأمة. غير أن
هذه الرؤية كانت منطلقة من الذات الثقافية لإصلاح نفسها بنفسها، بما يجعلها مختلفة
في ذلك مع الموجة السلفية التاليةالتي تميّزت في محاربتها للتقليد بالإقرار بأهمية
التفاعل مع أوروبا، في مستوى القيم والمفاهيم، وضرورة استساغة الأفكار العصرية،
والاستفادة من المنجزات الحضارية، قصد الوصول إلى نديّة يمكن بها مواجهة السياسات
الغربية المعادية للمسلمين.[4]
من هنا، يتبيّن أنه كانت للسلفية الحديثة في
المجال العربي دلالتان: هي من جهة تيار عقائدي، ينطلق من إعادة تقييم وتنشيط ماضي
السلف، للإجابة من جهة ثانية على حاجيات وطموحات الحاضر[5]. هي بذلك تعبير عن فهم شمولي، يعتبر أن
الإسلام الحق يتموقع خارج التقليد، ويعمل ضده بالدعوة إلى تنقية المعتقد
والممارسة، بما يتطلب حركة إحيائية تتجاوز كل ما طرأ على البنى الاجتماعية
والسياسيةوالفكرية والتربوية. إنها المقاومة للبدع في المعتقد والسلوك، بمواجهة
فقهاء التقليد ومؤسساتهم التعليمية والقضائية، ونقد للفكر الذي تستند عليه.
لكن هذا الحرص على العودة إلى نقاوة الأصول،
في السياق المغاربي خاصة، لا يمكن أن يتحقق بصورة تقضي على كل أثر للتاريخ في
خطابها. ما تثبته عموم التجربة السلفية العربية الحديثة المغاربية، في تنوّعه، بل
وتباينه أحيانا، أن زرع الحس اللا تاريخي في مسعى طهوري باسم الرجوع إلى
"الإسلام الحق" غير ممكن، لأن خرق حواجز التاريخ الضخمة وتراكماته دون
أيّ تمثل لمعطياته ومكاسبه المختلفة ضرب من المحال.
يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس معرّفا
الإسلام بأنه: "عقد اجتماعي عام في جميع ما يحتاج إليه الإنسان من جميع
النواحي لسعادته ورقيّه"؛ ثم يضيف "إن مبدأنا في الإصلاح الديني
والدنيوي، أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلاّ بما صلح به أولها". يزيد بعد ذلك،
فيقول إن "الإسلام الوراثي لا يمكن أن ينهض بالأمم، لأن الأمم لا تنهض إلاّ
بعد تنبّـه أفكارها، وتفتّح أنظارها، والإسلام الوراثي مبني على التقليد والجمود،
فلا فكر فيه ولا نظر".[6]
من هذه الجمل، يتبين أن القوام الفكري
للسلفية الحديثة في بلاد المغرب يتركز على مقولتين متلازمتين: إبطال التقليد
بمناوءة كافة مؤسساته، مع حرص على استيعاب إيجابيات الآخر. ندرك هذا من ارتكان ابن
باديس في تعريفه للإسلام إلى مفهوم "العقد الاجتماعي"، في ذات الوقت
الذي لا يتردد فيه من القول بأن صلاح المسلمين في العصر الحديث يقتضي التزام
الاقتداء بالسلف الصالح، في معتقدهم وسلوكهم ورؤاهم.
الأسئلة التي تطرح: كيف يتأتّى الجمع في
منظومة واحدة بين عناصر لا يمكن أن تشكل بنية متماسكة؟ كيف يتاح تجديد أفكار
مستعملة في منظومة ثقافية بمطابقتها مع قيم وأفكار هي إفراز لمنظومة أخرى؟ كيف
يمكن اختزال مجالات المجتمع وحركيته طوال الأحقاب التاريخية، ثم القيام بإدانة
الإسلام الوراثي والدعوة إلى "إسلام ذاتي" سبيله الواحد هو التعليم؟
من هذه التساؤلات تبرز المفارقة الكبرى
للتوجه السلفي الحديث التي تُبرز لنا قوة ذلك التوجه، وضعفه في الآن ذاته. لقد
استطاع بفضل هذا المنهج التوفيقي الداعي إلى نبـذ التقليد أن يعمل على اكتساح
المؤسسة الدينية التقليدية لزعزعة مكانة الفقهاء، وسلطة المتصوفة، وأصحاب الطرق،
مستفيدا في ذلك من ثغرات مختلف مراكز تلك المؤسسة، عاملا على اختراقها وثم
تهميشها. مثل هذا السعي يكشف الهنات، ولا يستدعي ولا ينمّي أي حس تاريخي بديل لدى
المسلم[7]. ذلك ما مكّن السلفية الحديثة حتى الفترة
المعاصرة من تحطيم الأشعرية والتصوف، كما ساهمت بقوة في القضاء على التقليد الفقهي.
لكن هذه الإدانة السهلة "لـلإسلام
الوراثي" لم تنتج وعيا تاريخيا جديدا، لإغفالها مصادر قوة تلك الثقافة
الدينيةالتي اعترتها البدع والانحرافات، والتي تستند إلى رؤى وتنظيرات ومواقف
العلماء المؤسسين، بما لديهم من الوعي والالتزام والفاعلية في واقعهم الخاص وعصرهم
المنصرم. ما غاب عن موجات السلفية الوافدة على بلاد المغرب، أن هشاشة المنظومة
المذهبية والعقدية لا يلغي قاعدتها التي تأسست عليها، والتي تظل ذات شرعية رغم
انكفائها في دائرة التقليد؛ معنى هذا أن مجرد التصدي للمؤسسة التقليدية وإدانة
التقليد لا يجدي، ما لم تقع مراجعة منهج التفكير، وبناء وعي تاريخي معاصر.
في ذات الخطأ، وقعت أنظمة وتيارات عربية
تحديثية حين ظنت أنها قادرة، بمجرد ضرب المؤسسة الدينية أو استتباعها أو مناوءتها،
على إلغاء أية سلطة اجتماعية منافسة تتحداها في مشروعاتها التحديثية الخاصة.
ما أفرغ المشروع الإصلاحي السلفي الحديث من
الفاعلية الإيجابية في الواقع العربي والمغاربي، بخاصة اقتصاره على أن يكون قوة
احتجاجية متمردة على التراث الوسيط للإسلام، لكونه شجع التقليد، وأساء إلى النص
الديني وفهمه السليم، مع خلوّ ذلك المشروع من أي منهج آخر، مختلف عن المنهج
التقليدي السائد، وذهوله عن أسس الممانعة التي يستند إليها "الإسلام الوراثي"
في العالم العربي الإسلامي. على ذلك فلم تقـــو السلفية على إعادة نظر ناقدة في
حداثة الغرب، مما جعلها تمهّد موضوعيا لدعاة التحديث القسري، الذي يرى أن القيم
الحديثة ومنظومتها الحضارية والفكرية هي مكتسبات إنسانية، واكتشافات عقلية نهائية،
نفوذا وهيمنة لعقود متتالية.
لمزيد توضيح هذه المفارقة، نعمد إلى حفر
أولي في جذور "الإسلام الوراثي"، وبنيته الفقهية، وما يتصل بالمالكية
خاصة، ذلك العنصر الذي ظل مقوّما للهوية المغاربية طوال قرون.
تاريخيا تمكّن مذهب الإمام مالك[8]، في بلاد الغرب الإسلامي، رغم التباين الشديد
بين أوضاعه الحضارية والثقافية، ورغم مواكبته لمذهبين آخرين هما مذهب الأوزاعي[9] في الأندلس، ومذهب أبي حنيفة [10] في إفريقية والمغرب الأقصى في أطوار أولى. أهم ما يفسر غلبة مذهب مالك على
بلاد المغرب، هو انفراد تلك المدرسة بطاقة اقتراحية، وحضور تفاعلي مواكب للواقع
الاجتماعي. تجسدت هذه الخصوصية في كثرة أصول المذهب بما أفسح مجالا أوسع للتخريج،
موفرا للإفتاء أدلة صالحة يختار منها الفقيه أصلحَها. لقد أدرك تلاميذ مالك أن
اختلاف النَـزعات والأوضاع، ووفرة الحراك الاجتماعي، لا يمكن أن يحقِّقَ لهم تنظيم
حياة بلاد الغرب الإسلامي العامة والخاصة، إلا إذا استندوا إلى نفس ذلك الواقع
المتشابك المتحرك، ليجعلوا منه سندًا في امتلاك ناصية المرجعية الفقهية.
بذلك استمدت المدرسة المالكية حيويتها من
تجدد الحياة في آفاق الغرب الإسلامي، فلم تعتمد التمشي الذي أقبل عليه الحنفية
والمتمثّل في أهمية الجهد التنظيري الذي يتعالى بتجريده على الأحداث ومعانيها.
أهميّة منهج المدرسة المالكية في المغرب في العصر الوسيط في إدراكها لما للواقع من
شأن، وذلك ما دفع بها إلى فقه النوازل الذي يتيح تعددًا للآراء، ناتجا عن الاختلاف
في تقدير ما تطرحه الحياة اليومية من تساؤلات، بينما ستكون معضلة الفقهاء
المتأخرين خاصة، هو نظرهم إلى ذلك الواقع على أنه أمر ثابت، لاعتبارهم إياه
"الواقع ـ المثال" الذّي لا ينبغي تجاوزه، لأنه في نظرهم يحافظ على حياة
اجتماعية مطردة للجماعة.
من روح هذه المدرسة المالكية قبل أن تهيمن
عليها ثقافة التقليد فتبعدها عن سير الحياة المركّبة، وعن مصالح الناس وأعرافهم،
ندرك ما يواجه الفكر الإسلامي المعاصر اليوم من مصاعب وتحديات . ما يفيدنا به
التوجه السلفي الحديث والمدرسة المالكية هو أن الفكر الإسلامي، أيا كان منزعه
الفقهي أو العقدي أو الإيديولوجي، لا يقوى على البناء والإبداع إلا بالخروج من
ثقافة التقليد وبالوعي التاريخي البديل. ذلك هو الخيار الذي يدفع إلى مغادرة مواقع
التمركز والانغلاق على الذات، التي تحول بينه وبين فاعلية حقيقية في عالَم معولم،
تضاعفت فيه التحديات المواجهة للمعتقدات والثقافات الخاصة.
[1]- عبد الهادي بو طالب (1923-2009) كاتب ومفكر
وسياسي مغربي، درس بالقرويين وحصل على إجازة ودكتوراه في الشريعة وأصول الفقه،
ودكتوراه في الحقوق، تخصص قانون دستوري - عمل في القضاء و التدريس الجامعي. له عدة
مؤلفات في السياسة و القانون و الأدب والإسلاميات بالعربية و الفرنسية.
[2]- زار الأستاذ الإمام محمد عبده( 1849-1905)
تونس مرتين، كانت الأولى سنة 1884 والثانية سنة 1903، وقد امتدت فترة أطول من
الأولى، وكان لها أثر أبلغ من السابقة لكونها وطّدت العلاقة من قسم من النخب
التونسية المقبلة على الإصلاح المعتمد على العلم والتربية، في حين كانت الزيارة
الأولى، رغم انطلاقها من ذات الرؤية الفكرية الإصلاحية، فإنها كانت ما تزال موالية
لرؤية جمال الدين الأفغاني الذي كان يراهن على نجاعة إصلاح الحاكم.
[3]- انظر لتصدي علماء الزيتونة للدعوة السلفية
في مدّها الأول في ابن أبي الضياف الإتحاف ج 5 ص 63 وما يليها.
[4]- يعرّف الشيخ محمد عبده الإصلاح بقوله :
" هو تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف هذه الأمة قبل
ظهور الخلاف والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره ضمن موازين
العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه، وتقلل من خلطه وخبطه، لتتم كلمة الله
في حفظ نظام العالم الإنساني"، انظر محمد عمارة، تجديد الفكر الإسلامي عند
محمد عبده ومدرسته، القاهرة 1980
[5]- راجع موسوعة الفلسفة العربية، فصل السلفية ص
733
[6]- ابن باديس أحد أبرز أعلام الإصلاح السلفي في
الجزائر، ( 1889- 1940م)، راجع الأعمال الكاملة، تحقيق عمّار الطالبي، الجزائر
1968 ج3، ص ص 240-246
[7]- راجع كتاب الدكتور مصطفى الشكعة، إسلام بلا مذاهب،
الداعي إلى تجاوز الخلافات المذهبية، والمعتبر أن الإسلام هو "دين فطرة"
يتلاءم مع الطبيعة البشرية.
[8]- توفي الإمام مالك بن أنس سنة 197هـ/ 795م
[9]- توفي الإمام عبد الرحمن الأوزاعي الشامي سنة
157هـ/774م
[10]- توفي الإمام أبو حنيفة النعمان الأفغاني سنة
150هـ /767م
* كاتب ومفكر تونسي وأستاذ جامعي متخصص في أصول الدين والفكر الإسلامي المعاصر
المصدر: موقع مؤمنون بلا حدود




